تقدير الموقف الإسرائيلي من الأحداث السورية

  • الثلاثاء 16 يناير 2018 03:05 ص

 

تقدير الموقف الإسرائيلي من الأحداث السورية

  • مقدمة

انشغلت الساحتان السياسية والأمنية في إسرائيل بما يدور في سوريا من أحداث داخلية خلال الأشهر الماضية، وبدا الأمر لكل متابع للشأن الإسرائيلي كما لو أن ما يحصل في شوارع دمشق ودرعا واللاذقية، إنما يعد شأناً إسرائيلياً داخلياً لكثرة التحليلات والمتابعات والتقييمات، التي تناولت الشأن السوري بجميع تفاصيله الدقيقة: سياسياً، وعسكرياً، واجتماعياً، وطائفياً! وحظيت المواجهات التي تشهدها سوريا باهتمام وسائل الإعلام الإسرائيلية بمختلف أشكالها وتوجهاتها.

  • الاعتدال والممانعة

يبدو من الأهمية بمكان الإشارة إلى النقاط المتعلقة بالإدراك الإسرائيلي لسوريا، والقائمة على الاعتبارات التالية:

1- جغرافياً: فالتطورات الجارية في سوريا، تمثل تطورات تجري في بلد مجاور لإسرائيل.

2- رسمياً: ما زالت سوريا في حالة حرب مع إسرائيل، برغم الاحتمالات القائلة بإمكانية أن تكون بلداً مرشحاً للدخول في اتفاقية سلام معها.

3- تمتلك سوريا ترسانة أسلحة كبيرة، بما في ذلك الأسلحة الصاروخية، والرؤوس الحربية الكيمياوية ذات القدرة على ضرب إسرائيل، وإذا وقعت هذه الترسانة العسكرية في يد الإسلاميين، كما ترى تل أبيب، فمن الممكن أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى اندلاع حرب شرق أوسطية كبيرة.

4- يوجد ارتفاع متزايد في سقف التساؤلات الإسرائيلية المتعلقة بما إذا كانت مناشدات دمشق القائلة بضرورة استئناف محادثات السلام مع إسرائيل ما زالت سارية المفعول، وتتمتع بالجاذبية!

5- على مدى السنوات الماضية، ظلت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تطالب الحكومات المتعاقبة بضرورة تلبية نداءات دمشق بإحلال السلام، والسبب في ذلك، إدراكها بأنَّ التوصل إلى اتفاق سلام ناجح معها، وإن كان ثمنه إرجاع الجولان، فإنه سيتيح لإسرائيل فرصة إبعادها عن إيران، وضرب حزب الله وحركة حماس، وهذا أمر سيعزز أهدافها الإستراتيجية الكبيرة، وعلى النقيض من رئيس الوزراء السابق "إيهود أولمرت"، فإن رئيس الوزراء الحالي "بنيامين نتنياهو"، ما زال يقاوم توصيات وضغوط المؤسسة الأمنية التي تطالبه بالتفاوض مع دمشق."(1)

وهكذا بات واضحاً أن القيادة الإسرائيلية، بشقيها: السياسي والعسكري، تتابع ما يجري في المحافظات السورية بانتباه شديد، خاصة ما يتعلق بأثرها المتوقع على زعزعة استقرار البلاد هناك، ولعل أدل على ذلك ما قام به جملة من القيادات الإسرائيلية يتزعمهم "شمعون بيريز" الرئيس الإسرائيلي، يرافقه عدد من قادة الجيش بزيارة للحدود الشمالية قرب الجولان، وإعلانه بما لا يدع مجالاً للشك أن أي زعزعة داخلية في سوريا، ستخفف عن إسرائيل "جبهة حربية"!

ومما يؤكد المخاوف الإسرائيلية، وفقاً لما ذكرته المحافل البحثية، أن تل أبيب تعرف كيف تتعامل مع المسؤولين السوريين الموجودين في دمشق، لكنها لا تعرف كيف ستتعامل مع "سوريا أخرى" في حال تغير النظام، في ضوء التوقعات التي قد تشير إلى احتمال تصاعد الموقف هناك بصورة دراماتيكية خلال الأيام المقبلة، مما سيضعها على "أتون بركان ملتهب" من الممكن انفجاره في أي وقت.

كل ذلك يعني أن النظام السوري، وفقاً للتقدير الإسرائيلي، وإن نجح في تهدئة المظاهرات، فلن يستطيع كبح جماح بقية الاحتجاجات في العديد من المدن والمناطق الأخرى، وربما يصل الأمر إلى إمكانية سقوطه في حال إصراره على التعامل بعنف مع المتظاهرين.(2)

وتنقل أوساط إسرائيلية عن ضباط كبار في هيئة الأركان أن قيادات الجيش السوري وضعت الكثير من الأسلحة، وبالتحديد صواريخ "سكود" في مدينة درعا، نظراً لموقعها الإستراتيجي، وتحسباً لإمكانية اندلاع معركة مع إسرائيل في أي وقت، مما أثار تساؤلات عميقة في تل أبيب حول مصير هذه الصواريخ بالتحديد إن سقطت المدينة في أيدي المتظاهرين؟ وهل من الممكن أن يستخدموها لمواجهة إسرائيل؟ وما هو مصير العلاقة مع سوريا "المستقبل" إن تغيرت الأمور؟

  • الجبهة الشمالية

في ظل المتابعة الحثيثة من قبل المحافل الإسرائيلية بقلق لآخر التطورات الميدانية في سوريا، فإن تل أبيب تبدو واثقة من أن الرئيس "الأسد" في خطر، لأن مفعول ما وصفته بـ""الدومينو" بدأ يضرب بقوة نظام الحكم هناك، بعد أن كسر الشعب حاجز الخوف، وخرج الناس إلى الشوارع، وحطموا التماثيل الضخمة، وأضرموا النار في مباني المؤسسات الحكومية الرسمية.

وقدرت الأوساط الإسرائيلية أن استمرار الأمور في سوريا على هذا النحو، سيؤثر لفترة طويلة من انعدام الاستقرار، وستكون له آثار بعيدة المدى على الشرق الأوسط عموماً، وأمن إسرائيل خصوصاً، لاسيما وأن إيران من بين المستفيدين من التطورات الحاصلة في المنطقة.(3)

وترى تل أبيب أن سقوط مبارك، والأحداث في البحرين، والضغط الذي تعيشه العربية السعودية عمل على تعزيز محور طهران-دمشق، والأخيرة تعتبر الحجر الرئيسي في ذلك المحور، وبالتالي فإن ضعف نظام الأسد، ناهيك عن سقوطه، سيعد ذلك ضربة شديدة لإيران، وحزب الله وحماس.

كما أن هذا الوضع يعطي "مساحة تنفس" لخصوم المعسكر الإيراني، وعلى رأسهم المعسكر الموصوف بالاعتدال، لكنه يخلق إغراءً لإيران وسوريا للتخفيف عن الأخيرة من خلال "تسخين" النزاع مع إسرائيل! فيما اعتبرت أوساط عسكرية أنَّ التخوف في الجيش الإسرائيلي ينصبّ على مصير الأسلحة غير التقليدية الكيمياوية والبيولوجية التي بحوزة سوريا، وعلى عدم وجود ضمان بأن تبقى المنطقة الشمالية على الحدود معها هادئة في حال تغير الأمور!

وفي إطار التركيز الإسرائيلي على الشأن السوري في الآونة الأخيرة، فإنها تذكر ألف سبب يجعل تصنيف الرئيس السوري ضمن النوع الذي لن يبدو متهاوناً في التراجع أمام التطورات الداخلية، محصية أسباباً عديدة منها، على ذمة التحليل الإسرائيلي:

1- العنصر الجيني العائلي: فرغم أن الحديث يدور عن أعداد مختلفة من الضحايا، فإن هناك خيطاً يربط بين ما حصل بحق الإخوان المسلمين في حماة عام 1982، وبين قتلى الأسابيع الأخيرة في درعا وصنمين ودمشق.

2- الانتماء الطائفي: فالرئيس ليس وحيداً، وهو ممثل الطائفة العلوية "الأقلية"، لكنها تتمتع بكل مناعم السلطة، وإذا رحل دون صراع، فإن فقدان الامتيازات سيخرج على الطائفة بأسرها.

3- القناعة الداخلية: فالأسد يرى نفسه كـ"بطل الكفاح" ضد إسرائيل، ولا يعتقد أنه حان الرحيل.

4- الإسناد الإقليمي: فـ"أحمدي نجاد وحسن نصر الله" على حد سواء، عقدا حلفاً مع الأسد الشاب، ولا يعتقدان أن عليه أن يرحل.

5- الازدواجية الأخلاقية الدولية: فالأسد يقدر بأن وضعه أفضل بكثير من وضع القذافي، ويعرف أن "أوباما وساركوزي وكاميرون"، سيفكرون ألف مرة قبل إطلاق الصواريخ على القصر الرئاسي في دمشق كي يحموا المنتفضين.(4)

في ذات السياق، ترقب إسرائيل بحذر مستقبل العلاقات بين سوريا من جهة، والفصائل المسلحة الموجودة هناك كحماس وحزب الله، حيث ترعاها دمشق، وتدعمها سياسياً، معربة عن قلقها من مواصلة دعمها لها، لمحاولة صرف الأنظار عما يحصل من تطورات داخلية، والضغط عليها لـ"التحرش" بإسرائيل،إن لزم الأمر!

وربما وصل الأمر ببعض الإسرائيليين للإعلان صراحة أنه يمكن القول بكل ثقة "وداعاً للسلام مع سوريا"، لأنه لو أرادت الأخيرة السلام فعلياً مع إسرائيل، لأصبح متأخراً جداً الآن.

  • البديل القادم

تزعم الأوساط الإسرائيلية أن السبب الوجيه لرحيل الأسد في هذه اللحظة، قد يكمن في اكتشافه فجأة أن قسماً كبيراً من الجيش وقوات الأمن لديه، يرفض قمع المتظاهرين، وينضم إليهم، وإلى أن يحصل هذا، فمسموح له مواصلة ذات الخطاب، كالوعد بالإصلاحات، وعدم القلق، وبالتالي فإن أحداً من زعماء الغرب لن يحرك ساكناً.

وفي حين أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تحاول المفاضلة بين نظام وآخر في المنطقة العربية، يبدو الوضع في الأحداث السورية مختلفاً ومغايراً، بالنظر إلى الحساسية الدقيقة للدولة السورية، لاسيما على صعيد الموقع الجيو-سياسي، بالنسبة لإسرائيل، ما يتطلب من الأخيرة أن تدير تقييماتها لما يحصل لدى جارتها الشمالية وفق أساسات هامة، تقوم على: قراءة سليمة للتطورات الداخلية هناك، والمزيد من التأهب الأمني، إلى جانب الحوار والتنسيق الوثيقين مع الولايات المتحدة، والأهم من كل ذلك "رأس مفتوح" للفرص التي قد ينطوي عليها الوضع الجديد.

وفي حين أنه ما زال من السابق لأوانه محاولة تقدير وجهة سوريا، إلا أن أهمية الأحداث فيها حالياً ليست بحجمها، وإنما في كونها غير مسبوقة في هذه الدولة التي لم تشهد مظاهرات كهذه منذ ثلاثين عاماً، ما يعني أن تغير الأمور بصورة دراماتيكية يعني بشكل تلقائي انهيار "الحلف غير المقدس" بين سوريا وإيران.

وفي الوقت الذي ما زالت فيه الأوساط الإسرائيلية تنظر بعين من الترقّب إلى مآلات الأوضاع في سوريا، فقد بدأت تطرح أسئلة استشرافية من قبيل: هل هذه هي نهاية سلطة عائلة الأسد؟ أم أنها نهاية "الخيار السوري" لإسرائيل؟ خاصة في ظل اعتياد رؤساء الحكومات الإسرائيلية التعبير في الماضي أن يفحصوا إمكانية التوصل إلى تسوية مع دمشق، أو إعلان ذلك على الأقل، كلما وصل التفاوض مع الفلسطينيين إلى وضع حرج، بل إن بعضاً منهم، كـ"رابين ونتنياهو وباراك"، خطوا خطوات عملية، لكنهم صدموا سريعاً بـ"حائط صد" من الرفض السوري.(5)

ومع ذلك، فإن القراءة الإسرائيلية لما يحصل في سوريا اليوم تؤكد مجموعة مما أسمتها "الفرضيات الخاطئة" التي وقع فيها النظام هناك، وهي:

1- رفضه التخلي عما يوصف في إسرائيل بـ"المظلة الإيرانية"، التي تمنح الأقلية العلوية حماية من الأكثرية السنية.

2- عدم الرغبة السورية بإضعاف تأييده لـ"حزب الله" الذي يساعده في لبنان.

3- عدم السلام مع "إسرائيل" وهب له ذريعة إقامة "نظام طوارئ"، لقمع كل شرارة معارضة.(6)

ومع ذلك، فإن هناك قراءة تشاؤمية في إسرائيل لما يقال إنه "ربيع الشعوب العربية"، ومنها سوريا، لأنه قد يتجلى بعد وقت قليل أنه بدء لـ"شتاء طويل مظلم"، ما يؤكد أن فرضية نزولها عن هضبة الجولان، قد أُنزل عن جدول الأعمال، بسبب ما يقال إنه شرق أوسط غير مستقر، لأنه على سبيل المثال لو وقعت إسرائيل مع سوريا على اتفاق في شأن انسحاب إلى الساحل الشرقي لبحيرة طبريا مقابل "ترتيبات أمنية"، فماذا كانت احتمالات أن يتم الحفاظ عليها؟ سواء بقي نظام الحكم الحالي، أو حل نظام آخر محله؟

في هذا الصدد يبرز كلام وزير الدفاع الإسرائيلي "أيهود باراك" الذي يدل على سعي القيادة الإسرائيلية لإرباك الداخل السوري في هذه اللحظة المفصلية في محاولة لاستعادة قدرتها على المبادرة بعد فشل المفاوضات، وارتباك الآلة العسكرية، وشل قدرتها الردعية القادرة على تغيير المعادلات، بقوله: إن "لجوء الرئيس السوري الى استخدام القوة ضد شعبه يعجل سقوط حكمه"، مشددا على إن إسرائيل "يجب ألا تخشى التغيير في دمشق وألا تجزع من إمكان تغيير الأسد".

هذا الكلام اتبع بموقف مماثل للرئيس السابق لجهاز الموساد "مائير داغان" شكل بدوره نقطة متابعة في الدوائر السياسية والدبلوماسية الدولية، وهذان الموقفان يوحيان بحسب المصادر الدبلوماسية المعنية بإطلاق القيود الدولية التي كانت تمنع تشدد مواقف الدول الكبرى ضد سوريا وفي مقدمها الولايات المتحدة الأمريكية التي تراعي في الدرجة الأولى مصلحة إسرائيل وأمنها.

  • التداعيات الإقليمية

ويمكننا أن نستعرض المزيد من المواقف في محورين رئيسيين، يمكننا من خلالهما رصد التوجهات الإسرائيلية حيال مستقبل الأوضاع في سوريا والتداعيات الإقليمية وكيف توظف "إسرائيل" أحداث سوريا لمصلحتها.(7)

وعلى الرغم من أن كافة التقديرات الإسرائيلية الصادرة خلال السنوات القليلة الماضية بشأن إمكانيات حدوث أي مواجهات بين النظام السوري ومعارضيه كانت تؤكد على أن لدى الرئيس بشار الأسد من القدرة ما يجعله واثقاً في مسألة بقائه في السلطة، إلا أنه يمكن القول إن الأحداث التي تشهدها بعض المدن السورية حالياً جعلت كبار مسئولي وزارة الدفاع وأجهزة الاستخبارات في تل أبيب يراجعون تقديراتهم بهذا الشأن وهو ما يتضح فيما يلي:

1. إن الجيش الإسرائيلي يستعد لاحتمال أن تحاول سوريا القيام بتصعيد عسكري عند الحدود الشمالية لإسرائيل في هضبة الجولان أو الحدود مع لبنان بهدف صرف الأنظار عن الاحتجاجات الجارية في المدن السورية ضد نظام بشار الأسد.

2. تستعد قيادة الجبهة الشمالية في الجيش الإسرائيلي لوضع قد تحاول فيه السلطات السورية استخدام حزب الله أو تنظيم آخر يأتمر بأوامرها في لبنان لتسخين الجبهة على طول الحدود الشمالية.

فيما يرى "موشيه يعلون" وزير الشئون الإستراتيجية في الحكومة الإسرائيلية في تصريحات للإذاعة العبرية أنه لا توجد احتمالات كبيرة بأن يقوم الرئيس السوري بتسخين الحدود الشمالية بهدف صرف الأنظار عن ما يحدث في بلاده من اضطرابات، مضيفاً أن ما يحدث في المنطقة من تطورات لا ينطوي على تهديدات فقط، وإنما أيضاً على نافذة فرص جديدة من الممكن تفتح أمام إسرائيل في حال سقوط نظام الأسد.

3.  الاستخبارات الإسرائيلية تتابع عن كثب الأحداث الجارية في الأيام الأخيرة في سوريا، وأنه خلافاً للتقديرات السابقة تحدثت عن استقرار النظام السوري في دمشق، إلا أنه بعد الأيام الأخيرة يبدو أنه سيكون من الصعب على الرئيس السوري إعادة الوضع إلى ما كان عليه سابقاً.

4. إن الرئيس الأسد وأعوانه سيكونون مشغولين جداً في قمع الاحتجاجات الداخلية وأن التأهب في إسرائيل حالياً هو على المستوى الاستخباري, ولا توجد مخططات لحشد قوات الجيش الإسرائيلي عند الحدود مع سوريا أو لبنان.

5. جاءت معظم التصريحات الصادرة على لسان المسئولين السياسيين الإسرائيليين في هذا الصدد للتحذير من مغبة تحريض الحكم السوري لحزب الله وحماس للعمل ضد إسرائيل في الوقت الحالي.(8)

* التطورات الداخلية

بطبيعة الحال ظلّت الأحداث التي تشهدها سوريا الآن ومنذ اللحظات الأولي لتفجرها محط أنظار كبار المحللين والمعلقين في وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث الإسرائيلية ويمكن القول أن الاهتمام بالشأن السوري فاق الاهتمام بالشأن الليبي خلال الأيام الأخيرة لما تمثله سوريا من أهمية بالغة بالنسبة لإسرائيل، وفى هذا الإطار رصدت وسائل الإعلام العبرية التداعيات المرتقبة للثورة السورية، وانعكاسات إمكانية سقوط نظام الرئيس بشار الأسد على المستوى الإقليمي، والتي يمكن إجمالها في النقاط التالية:

1. (المتضررون من سقوط الأسد): قال أستاذ تاريخ الشرق الأوسط المتخصص في الشؤون السورية في جامعة تل أبيب، السفير الإسرائيلي السابق في واشنطن البروفيسور "إيتمار رابينوفيتش" أنه "إذا سقط النظام في سوريا فإن المتضررين الأساسيين هم إيران وحماس وحزب الله"، مشيراً إلى أنه في ظل الوضع الراهن فإن "المطلوب أن تكون هناك سياسة إسرائيلية يكون في صلبها قراءة صحيحة للتطورات الداخلية في سوريا إلى جانب تأهب أمني وحوار وتنسيق مع الولايات المتحدة وشركاء آخرين وانفتاح تجاه الفرص الكامنة في الوضع الجديد".

2. (سقوط التحالف الإيراني – السوري): ذكر عميد كلية الآداب في جامعة تل أبيب البروفيسور "أيال زيسر" المتخصص في الشؤون السورية واللبنانية أنه خلال العقد الأخير لم تخف القيادة الإسرائيلية آمالها بأن يبقى بشار في كرسيه، لكن تحول بشار إلى حليف قريب لإيران وسماحه لها بتحويل حزب الله إلى قوة كبيرة يشكل خطراً كبيراً على إسرائيل". وأكد زيسر أن "سقوط بشار يعني انهيار الحلف بين سوريا وبين إيران وحزب الله. ومن هنا فليس هناك داع لأن تخشى قيادات تل أبيب من سقوط نظام بشار الأسد.(9)

3. (الموقف بالنسبة لإسرائيل): توقف المحلل السياسي في صحيفة 'هآرتس'، ألوف بن، عند ما أسماه بموجة التظاهرات التي حدثت في سوريا، معتبراً أن هذه التظاهرات تقرب الثورة العربية من الحدود الإسرائيلية، بحكم الموقع الجغرافي لمدينة درعا, وتطرّق إلى إمكانية فشل الحكم في سوريا في وضع حد للتظاهرات، مشيراً للنقاط التالية:

- سقوط نظام بشار الأسد سيدخل إسرائيل في حال من الغموض وعدم اليقين.

- هذه الحالة من عدم اليقين تجد تعبيرا لها في جملة من الأسئلة، أهمها: من سيسيطر على مخزون صواريخ سكود ذات الرؤوس المتفجرة الكيماوية؟ من سيقود الجيش على جبهة الجولان؟ هل سيكون ورثة الأسد أكثر انفتاحاً على الغرب وإسرائيل، أم على العكس، سيحاولون تصعيد حدة المواجهة لنيل مشروعية داخلية وإقليمية؟ وإذا ما فشلت الثورة، وبقي الأسد على كرسيه، فهل سيجرب من جديد عملية السلام للحصول على هضبة الجولان من إسرائيل؟ (10)

- كل واحد من هذه الاحتمالات يحمل في باطنه مخاطر وفرص لإسرائيل في آن واحد, وأعاد المحلل الإسرائيلي إلى الأذهان تاريخ ما اسماها بالعلاقات المركبة التي أدارتها إسرائيل مع الرئيس حافظ الأسد ومع ابنه بشار، لافتاً إلى أن النظام السوري رفع راية المقاومة وسعى إلى تحقيق توازن استراتيجي مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه مثّل ميناء مستقرة للنظام الإقليمي وشريكا لعملية السلام.

4.(التحليل الإسرائيلي للثورة السورية): يبدو بوضوح الاستخدام المذهبي التحريضي في تناول الحدث السوري في كلام البروفيسور "ايتمار رابينوفتش" محلل الشئون العربية، حيث يرى أن:

- الرئيس بشار الأسد يتصدى الآن للأزمة الأشد التي يواجهها منذ ورث كرسي أبيه في يونيو 2000. ففي مقابلة طويلة منحها لصحيفة "وول ستريت جورنال" تباهى باستقرار نظامه على عكس نظام الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك , لكن في نهاية المطاف وصلت موجات الصدى "للربيع العربي" إلى سوريا أيضاً.

- تتغذى المعارضة بعداء الأغلبية السنية للحكم العلوي وأيضاً من إحساس الكثيرين بأن النظام متحجر، فاسد ويمنع دخول سوريا إلى التيار المركزي للحياة في القرن الواحد والعشرين.(11)

- يحمل تغيير النظام السوري الكثير من الفرص والأخطار في آن واحد، ربما ينعكس من خلال فترة طويلة من انعدام الاستقرار، التي ستكون آثارها بعيدة المدى على الشرق الأوسط وعلى أمن إسرائيل، فيما يعتبر سقوط نظام بشار بمثابة ضربة شديدة لإيران ولخططها التوسعية.

فإلى الآن كانت إيران أبرز المستفيدين من التطورات في المنطقة: سقوط مبارك، الأحداث في البحرين التوتر في اليمن، عملت كلها على تعزيز محور المقاومة، بل وصرفت الانتباه الدولي عن برنامجها النووي, أما سوريا فهي الحجر الرئيس في المحور المؤيد لإيران. فسواء ضعف نظام الأسد أو سقوطه، فسيكون ضربة قوية لإيران، لحزب الله ولحماس.(12)

- استمرار الصدامات واحتمال القمع العنيف في سوريا سيخلقان معضلة للولايات المتحدة وحلفائها, فالتدخل في ليبيا وجد تبريره في أنه لا يجب السماح للقذافي بذبح المواطنين الليبيين المطالبين بالحرية والديمقراطية، لذا سيتعين على أوباما وشركائه أن يشرحوا لماذا لا يتدخلون لمنع سفك دماء في سوريا.

لكن نهج النظام في القضاء على الاحتجاجات "بأي طريقة" قاد إلى شيئين:

  1. انشقاقات متتالية في الجيش، بأعداد صغيرة في كل مرة، لكن عددها الإجمالي خلال حوالي 14 شهرا، كبير،
  2. تجذر الاعتراض على النظام شعبيا، وتصلبه نفسيا، وانضمام مدنيين في العديد من مناطق البلد إلى العسكريين المنشقين، ومشاركتهم في رفع السلاح في وجه قوات النظام.(13)

وقد أثار مزيج العنف والكراهية الذي اعتمد عليه النظام في مواجهة المحتجين شعورا شديدا بالغضب والنقمة عند المشاركين في الثورة، وعند قطاع واسع من الجمهور غير المشارك أصلا، وشكلت هذه الروح الناقمة والساخطة الأرضية النفسية للاستمرار في الثورة.

  • مصير الجولان

وتراقب إسرائيل بحذر التحولات السياسية الهائلة التي تحدث في العالم العربي منذ أكثر من عام، حيث تعتقد أنه من غير المرجح أن يؤدي صعود التيار الإسلامي إلى إحداث تغييرات في صالح الدولة اليهودية، ويقول بعض المراقبين الإسرائيليين أن سقوط سوريا قد يؤدي لتحويل مرتفعات الجولان من أراض متنازع عليها إلى ساحة حرب، مما يحمل معه احتمال حدوث تدفقات كبيرة من اللاجئين، أو يحيل سوريا إلى قاعدة جديدة للمنظمات التي تعتزم مهاجمة إسرائيل.

وعلى طول الحدود السورية الإسرائيلية، حيث يقوم الجيش الإسرائيلي بمراقبة التحولات الدقيقة التي تحدث على الجانب الآخر، بينما يقوم القرويون الدروز بتجميع بعض المعلومات عن طريق أقربائهم المقيمين في سوريا من خلال "سكايب" و"فيس بوك"، هناك اتفاق عام يتمثل في استمرار حكومة الأسد في هذه الحرب لبضعة شهور أخرى وسفك المزيد من الدماء لوضع حد للثورة التي لا يستطيع أحد التنبؤ بنتائجها. (14)

ويقول المسئولون العسكريون الإسرائيليون إنه بينما تتركز الاعتداءات التي يقوم بها الجيش السوري في الأشهر الماضية في المدن الرئيسية، أقامت الشرطة السورية المزيد من نقاط التفتيش في الجنوب، وقلت إشارات تراجع السيطرة على الوضع الأمني.

ويضيف هؤلاء المسئولين أنهم يعتقدون أن هناك فرصاً ضئيلة لحدوث علميات تدفق للاجئين في الوقت الراهن، بينما لا يرون مؤشرات على دعم الطائفة الدرزية الصغيرة للثوار، ويقول أحد المسئولين العسكريين "إذا رأينا الدروز يغيرون ولاءهم، فسنعلم أن نهاية نظام الأسد باتت قريبة، لكنهم لم يقوموا بهذا حتى الآن".

لكن المرجح في أفق الحاضر هو دوام الأوضاع الراهنة، فالنظام لا يستطيع، ولن يستطيع، وقف تمرد شعبي قوي الزخم وعميق المنابع، والتمرد الشعبي لا يستطيع حاليا إسقاطه، لكن بينما يبدو النظام قريبا من استنفاد أوراقه في المواجهة، فإن من شأن اعتماد الثائرين إستراتيجية نفس طويل، وتنسيق العلاقات بين مكونات الثورة، وقدر أكبر من المرونة في تحرك المكون العسكري، وتأمين العون المادي للأوساط الأكثر تضررا، أن يكون عونا حاسما في تأجج الاعتراض الشعبي إلى حين يتداعى النظام من الداخل، وربما بمساعدة أوضاع إقليمية ودولية مواتية أكثر.(15)

أخيراً.. فإن ما تقدم من تقييم لما تفكر به الدوائر الإسرائيلية تجاه الأحداث الدائرة في سوريا، قد لا يقدم رؤية صحيحة ثاقبة، خاصة وأن الرؤى الإسرائيلية لما يحصل في المنطقة العربية، ومنها سوريا، تنطلق من اعتبارات أمنية استخبارية بحتة، لم تثبت صحتها في الكثير من الأحيان.

ومع ذلك، فإن ما تقدم من قراءة إسرائيلية، ينطبق عليه المقولة السائدة بأن "ناقل الكفر ليس بكافر"، وما ذلك إلا اجتهاد بحثي لمحاولة استقراء التوجه الإسرائيلي نحو آخر العواصم العربية مناوأة لتل أبيب من جهة، ودعوة لصناع القرار فيها والمتحالفين معها من جهة أخرى، للإمعان بجد هذه المرة في القراءة الإسرائيلية الواردة آنفاً، لأن فيها الكثير مما يمكن استلهامه من قرارات وتوجهات "قريبة ومتوسطة وبعيدة" المدى.


* الهوامش

  1. هآرتس، 18/11/2011.
  2. يديعوت احرونوت، 23/10/2011.
  3. التلفزيون الإسرائيلي، القناة العبرية العاشرة، 11/1/2012.
  4. موقع ويللا الإخباري، 26/3/2012.
  5. القناة السابعة للمستوطنين، 19/4/2012.
  6. إسرائيل اليوم، 30/3/2012.
  7. موقع معهد بحوث الأمن القومي، 19/4/2012.
  8. موقع قضايا مركزية، 27/2/2012.
  9. المركز الأورشليمي لشئون الدولة، 31/3/2012.
  10. موقع نيوز ون الإخباري، 18/4/2012.
  11. القناة العبرية الأولى، 19/1/2012.
  12. الإذاعة العبرية، 29/3/2012.
  13. التلفزيون الإسرائيلي، القناة العبرية الثانية، 28/4/2012.
  14. موقع تيك ديبكا الأمني، 21/4/2012.
  15. مركز المعلومات للاستخبارات والإرهاب، 22/4/2012.