الدولة الإسلامية.. بين حماس والسلفية الجهادية

  • الخميس 22 فبراير 2018 02:50 ص

 

الدولة الإسلامية.. بين حماس والسلفية الجهادية

  • مقدمة

منذ اليوم الأول لفوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية بتاريخ 25/يناير كانون ثاني/2006، أشعلت محافل صنع القرار في عدد من العواصم المحيطة، الأضواء الحمراء ترقباً منها أن ذلك سيكون له ما بعده في إقامة ما أسمته "إمارة" إسلامية في الأراضي الفلسطينية.

وسواء كان هذا التوقع المصحوب بقلق كبير مبنياً على معطيات حقيقية، أم تقديرات تخمينية، فقد كان له أثره الواضح والكبير على مجريات تطبيق حماس لبرنامجها الانتخابي الذي رفعته بعبارتي: "التغيير والإصلاح"، علماً بأن شعار الحركة الانتخابي هذا، لم يقتصر على الأبعاد الدينية والاجتماعية والسلوكية، فحسب، بل شمل الأبعاد الإدارية والسلطوية والاقتصادية.

وكشفت الأحداث اللاحقة في الأراضي الفلسطينية أن حماس لم تشأ أن تعلن عن الإمارة الإسلامية أو تطبيق الشريعة، لاعتبارات سياسية محلية وإقليمية، ورغبة منها في عدم إثارة الأطراف المعادية لها في هذه المرحلة بالذات، وفي ذات الوقت جلب عليها خصومة تيارات إسلامية "متشددة"، رأت من حماس تهاوناً في ما أسمته تحقيق "الفريضة" الغائبة.

  • أسلمة المجتمع

تمكنت حركة حماس طوال 23 عاماً من تاريخها بصورة نسبية كبيرة, من الجمع بين النزعتين الوطنية والدينية, وتجمع بين الخطابين السياسي والإسلامي، وأدى التحول الإسلامي الجاري إلى ظهور التيارات الدينية الساعية إلى تبني خطاب إسلامي يتجاوز خطاب حماس, بالتركيز على الأبعاد الدينية الجهادية الإسلامية على حساب نظيرها الوطنية السياسية الفلسطينية, وفقاً لمبررات تقول بأن جوهر الصراع الجاري يعود إلى القدم على أنه بين الإسلام واليهودية.

ومنذ البدايات الأولى لدخول حماس المعترك السياسي والبرلماني والحكومي، ظهرت توجهاتها "المعتدلة"، وعدم تعجلها بتطبيق الشريعة، وإقامة الدولة الإسلامية، مما دفع بعض الأوساط المقربة منها لاعتبار ذلك الصياغة الجديدة لميثاقها التأسيسي([1])، حيث أعلنت عن محددات فكرية جديدة تعبر عن انتقال حقيقي في توجهاتها الأيديولوجية، جاءت على النحو التالي:

  • اعتبار الفلسطينيين جميعاً متساوين أمام القانون، رغم اختلاف معتقداتهم وأفكارهم.
  • الديمقراطية هي الخيار الوحيد، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع.
  • تعتبر الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، وليس المصدر الوحيد.([2])
  • التدرج في سعيها نحو "أسلمة" المجتمع، بالأمر بالمعروف وليس بالنهي عن المنكر.
  • تخصيص ملايين الدولارات لبناء مدينة سينمائية "محافظة" على شواطئ غزة.([3])        

وقد أعلنت حماس أكثر من مرة، أنها ليست حزباً دينياً إسلامياً على غرار جماعة الإخوان المسلمين أو حزب التحرير، فهي "حركة تحرر وطني"، وبالتالي، فلم تتصرف في السلطة على نحو يوحي بأنها تحمل مشروعاً "ثيوقراطياً"، ولم تصدر قائمة المحظورات التقليدية:

    • عدم منع الأحزاب العلمانية واليسارية،
    • لم تقم بتطبيق الشريعة الإسلامية،
    • لم تفرض الحجاب بالقوة على الفلسطينيات،
    • لم تغلق محلات الترفيه التي يؤمها غير المنتمين لفكرها الإسلامي.([4])

وبدا أن هذه السلوكيات تتفق مع إعلان حماس أنها حركة معتدلة، وذات منهج مختلف مع التنظيمات السلفية، كما قال محمد أبو طير، البرلماني عن كتلة حماس من مدينة القدس، عقب فوزها بالأغلبية التشريعية "أننا لن نفرض تطبيق الشريعة الإسلامية، لأننا لسنا تنظيم القاعدة".([5])

وبعد أن رفضت القوى السياسية الفلسطينية مشاركة حماس في تشكيل الحكومة، اضطرت الأخيرة لإعلان حكومتها الأحادية أواخر مارس آذار 2006.

وقد بدأت التقديرات تشير على الفور عشية أداء وزرائها للقسم الدستوري أن حماس أصبحت في حل من أي التزامات تجاه القوى السياسية الأخرى، وبإمكانها تطبيق برنامجها الاجتماعي الداعي ضمناً لصناعة الفرد المسلم، وإقامة المجتمع المسلم، وصولاً إلى الدولة الإسلامية، دون أي إزعاج أو اعتراض.

لكن الناظر إلى حقيقة الأداء الميداني والسلوك الاجتماعي لحركة حماس وحكومتها، بين عامي 2006-2010، يرى أنه خلا من أي إشارة للدولة الإسلامية، أو تطبيق للشريعة، وإن اكتفت بذكر عدد من البنود لإحداث التوازن في خطابها الخارجي، وأدائها الداخلي، من خلال:

1- جعل الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع في فلسطين.

2- حماية الحريات العامة لكل المواطنين بلا استثناء.

3- العمل على سن قانون جديد للأحوال الشخصية والمحاكم الشرعية، مستنبط من النصوص الشرعية والمذاهب الفقهية، واختيار ما يتناسب مع تطور المجتمع الفلسطيني.

وليس من حاجة لتأكيد ما هو مؤكد من أن هذا البرنامج تم صياغته، بعد مروره بعمليات حذف وإضافة، وتعديل ومراجعة، من قبل أعلى المؤسسات السياسية والتنظيمية للحركة.

ولذلك، ربما كانت حماس واعية لما تسميه "فقه الأولويات" الذي حكم أداءها الداخلي، اجتماعياً وسلوكياً، بعيداً عن المطالبات المستعجلة لقواعد عريضة من عناصرها، والمطالبة بتطبيق الشريعة وإقامة الدولة الإسلامية.

وهنا ينطبق على حماس ما ذهب إليه أحد أكبر المنظرين للفكر الإسلامي الحركي، حين طالبها بـ"الخروج من ضيق الاعتداد الصلب إلى سعة التقدير المصلحي"([6])، وهو أمر صواب يحتاج للتدقيق، لأن التوسع ينبغي أن يكون وفق مفاد الفقه، وفقهاء حماس لديهم الجرأة النسبية بالقياس للحركات الإسلامية في الموازنات، وجولاتها عريضة في ميادين الإفتاء المصلحي.

  • مكونات الظاهرة السلفية

مقابل رسوخ أقدام حماس على مشهد الإسلام السياسي الفلسطيني، فقد شهدت الساحة السياسية في السنوات الأخيرة تحولاً نوعياً جديداً, باتجاه تزايد فعاليات الحركات السلفية, بالرغم من أن عملية التحول الإسلامي بدأت منذ لحظة الانتفاضة الأولى عام 1987، إلا أن ما يحدث حالياً, هو "تحول نوعي" داخل هذا المشهد الإسلامي, باتجاه المزيد من الظاهرة السلفية.

وتعتبر السلفية الجهادية تياراً أيديولوجياً تحمله جماعات حركية مناهضة لما هو قائم من أنظمة اجتماعية وسلطات سياسية وثقافة سائدة وعلاقات دولية، ونجد لقيامها أسباباً ومبررات شتى، كما تجند أفراداً ينتمون إلى قطاعات اجتماعية مختلفة، والقاسم المشترك بين هذه المكوِّنات، على اختلاف ملامحها ودوافعها، هو طبيعة الأيديولوجية السياسية الدينية التي تسوّغ لها أهدافها وأنشطتها، وهي أيديولوجية تتّـسم بالخاصية المزدوجة التالية:

  1. تشكّل الصيغة الأكثر جذرية لتقسيم البشرية على أساس ديني، فلا تكتفي بالتقسيم التقليدي للبشر إلى "مسلمين وكفار"، بل توسّع معنى الكُـفر أو الشّرك، وتقدّم تعريفاً ضيّقاً للإسلام يؤدّي إلى إخراج جزء كبير من المسلمين من حظيرته.
  2. تقدّم في نفس الوقت الصيغة الأكثر جذرية لتسييس الدِّين، فتتعامل به كأيديولوجية صداميه لا تقف عند هدف استعادة النظام السياسي الإسلامي في فضائه التاريخي المعروف، وإنما تتجاوزه إلى الجهاد ضدّ ما تُسمّيه بالطاغوت والجاهلية في كل مكان من الكرة الأرضية، والعمل على إقامة دولة خلافة عالمية، أي حكم الإسلام للعالم كافة.
  3. يعرفها عصام البرقاوي قائلاً: "السلفية الجهادية تيار يجمع بين الدعوة إلى التوحيد بشموليته والجهاد لأجل ذلك في آن واحد، أو تيار يسعى لتحقيق التوحيد بجهاد الطواغيت، فهذه هي هوية التيار السلفي الجهادي التي تميزه عن سائر الحركات الدعوية والجهادية".([7])

وقد ظهرت العديد من الحركات السلفية, الداعية لإقامة الإمارة الإسلامية، وتشهد حالياً صعوداً متزايداً لها, بصورة تقلق حماس، ويمكن الحديث عن أبرزها على النحو التالي:

  • جيش الإسلام- كتائب التوحيد والجهاد: وصدر بيانه التأسيسي بتاريخ 8/5/2006، وأعلن موالاته لتنظيم القاعدة، ويتزعمه "ممتاز دغمش"، الذي التقى مع "خطاب المقدسي"، وتنتشر أقاويل عن علاقته بـ"أسامة بن لادن".
  • جيش الأمة- أهل السنة والجماعة: الذي وجه نداءً عاجلاً لجميع الجماعات السلفية أواسط آب أغسطس 2007 "للتوحد في صدِّ الهجمة التي دبرت بليل من الصليبيين واليهود وأنصار الروافض"، وختم بالقول: "وقد أعذر من أنذر"، مذيلاً بتوقيع "جيش الأمة: أهل السنة والجماعة بيت المقدس-فلسطين".

وقد ظهرت بيانات عدة لجماعات سلفية أخرى، كالبيان الصادر بتاريخ 12/8/2007، باسم جماعة "كتائب سيوف الحق-جيش القاعدة"، ويتزعمها "أبو صهيب المقدسي".

كما أشارت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية، في تقرير نشرته لوجود تنظيم باسم "جند الله"، وأوردت تصريحات لزعيمه "أبو عبد الله"، الذي وجه في 14/7/2008، انتقادات حادة إلى حركة حماس، بسبب ترحيبها بزيارة "توني بلير" إلى غزة، وقال البيان: "إن المجرمين من أمثال بلير، غير مُرَحَّب بهم في غزة".([8])

إلى جانب الإعلان عن "الجبهة الإسلامية لتحرير فلسطين"، وأنها تتعامل مع القاعدة، وهددت بأعمال عنف ضد ما أسمتها "منظمة الإيرانيين الشيعة"، أيْ حركة حماس.

وقد تم توزيع بيان بتاريخ 10/9/2008 بتوقيع "أحرار كتائب القسام" يعلن مسؤوليتها عن تفجيرات، استهدفت مواقع تسيطر عليها حكومة حماس في غزة، وإن لم يتسنَّ التأكد بَعْدُ من حقيقة هذه الجماعة وانتمائها، وصدور بيان "أبناء أهل السنة والجماعة"، يصف عناصر حماس بـ"الجناة الخوارج".([9])

وقد دعا رجل السلفية الجهادية الأبرز في أكناف بيت المقدس؛ المعروف بـ"أبو محمد المقدسي"([10]) تشكيلات السلفية الجهادية بكافة أنواعها بالتوحد تحت قيادة واحدة باسم جماعة "كتائب التوحيد والجهاد".

وهناك جماعات أخرى لم يتم التحقق من وجودها ميدانياً، ومنها: "جحافل التوحيد والجهاد، جيش القدس الإسلامي، جند الله، قاعدة جهاد ولاية فلسطين الإسلامية، فتح الإسلام، عصبة الأنصار، سيوف الحق".

وتتمركز هذه الحركات جميعها في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة, رغم أن فعالية نشاط حماس يعمل -بصورة غير مشكوك فيها وبقدر كبير- على التقليل من ظهورها.

وتشير التقارير, إلى أن هذه الحركات ما هي سوى الجزء الظاهر من "جبل الجليد السلفي", إضافة إلى وجود المزيد من التوقعات التي تقول باحتمالات تزايدها:

    • إما بسبب الانقسامات, التي ستحدث في أوساطها,
    • أو بسبب توالد المزيد على خلفية التحولات الدينية الجارية في المجتمع الفلسطيني.

وقد ساعد في انتشار الظاهرة السلفية الجهادية في قطاع غزة عدد من الظروف:

  • الظروف السياسية: فقد بدأ السلفيون بعد دخول حماس للانتخابات البلدية في مايو عام 2005، وإعلانها استعدادها لخوض الانتخابات التشريعية، يشيعون أن الانتخابات حرام، وتحكيم لغير شرع الله، ورضا بالديمقراطية الكافرة، ولم يكن لهذا الكلام صدى كبير في الشارع حتى بداية عام 2006 قبل دخول الانتخابات التشريعية، حيث كان هناك قبول من بعض قواعد حماس للفكر السلفي، وأشاعوا أن المشاركة في الانتخابات هي دخول في البرلمانات "الشركية".

كما كان لعلاقة حماس مع فتح في مراحل مختلفة كحكومة الوحدة، والصراع الميداني، واتفاق مكة، دور في استمرار الظاهرة بالتغلغل في أوساط عناصر حماس، حيث "قدح" السلفيون آنذاك في الحركة، واتهموها بـ"فساد العقيدة وموالاة العلمانيين والتحاكم إلى القوانين الوضعية"، وكانت من أكثر الفترات التي انتشر فيها الفكر السلفي بين أوساط شباب حماس.

وجاءت التهدئة وتوقف حماس عن الأعمال العسكرية أحياناً، مما أوجد حالة من سوء تقدير الموقف لدى بعض عناصرها، وشعورهم بتخليها عن المقاومة، ووصل الحد ببعضهم أن خرجوا منها مدعين أنها تركتها من أجل السياسة، معتبرين ذلك خللاً في العقيدة، وتراجع عن الثوابت، وفقدان الأمل في الإصلاح والتغيير الداخلي.

وقد توالت خطابات قادة الجهاد العالمي كالظواهري والزرقاوي، بالانتقادات الموجهة إلى قادة حماس، واتهامهم بالردة، والتحريض المستمر عليها من قبل السلفية الجهادية عبر المواقع الالكترونية التابعة لهم: كـ"الفالوجة، الحسبة، مداد السيوف، التوحيد والجهاد، شبكة المجاهدين"، فضلاً عن تضخيم بعض المآخذ على الحكومة والحركة وقياداتها مثل: زيارات بعض الدول كإيران وروسيا، تهنئة المسيحيين بأعيادهم، ووصفهم بالأخوة، عدم تطبيق الحدود.

  • الظروف الاقتصادية: بما في ذلك الحصار المفروض على قطاع غزة، وما صاحبه من ضغط اقتصادي واقع على سكانه، مما دفع بالبعض لاتهام حماس باعتبارها سبب الأزمة، والانتماء لتلك الجماعات، والفقر الذي تسبب في بعض الأحيان للانتماء إليها، للحصول على دخل مالي شهري، واستغلال صغار السن من الطلبة والعاطلين عن العمل، من قبل المنظرين والمحرضين، والتأثير عليهم، واستغلال ظروفهم الاقتصادية الصعبة.([11])
  • الظروف التربوية: كضعف الجانب الدعوي التربوي في المجتمع الفلسطيني، وعدم اطلاع الشباب على الجوانب التخصصية كفقه الموازنات ومقاصد الشريعة، وغياب الخطاب الدعوي الجماهيري المُفنِّد للقضايا المثارة ضد حماس في منابر السلفية الجهادية في دروسهم ونشراتهم.
  • "جلجلت"...دراسة حالة

"جلجلت" الاسم الشائع والدارج في أوساط الغزيين، لمجموعات من الشباب المتدين، تابعون "للسلفية الجهادية"، و"أنصار السنة"، و"أنصار جند الله"، بدأت تنشط في قطاع غزة منذ أحداث يونيو حزيران 2007، لكن وتيرتها ازدادت، واتسع فريق مناصريها في الشهور الأخيرة، في ظل إعلانها المسئولية عن معظم عمليات تفجير مقاهي الإنترنت قبل ما يزيد عن العام.

وقد لوحظت خلال العامين الأخيرين، ظاهرة تكوين مجموعات عشوائية تتألف من عناصر شابة انتمت في حينه، وربما ما زالت تنتمي، إلى بعض الأجنحة العسكرية لقوى المقاومة الفلسطينية، وتنطوي العقيدة التي تُعد حجر الأساس لها على مقومات جهادية وسلفية، تتمحور حول العودة إلى التراث الإسلامي، والسعي لإنشاء دولة إسلامية بواسطة حرب "جهادية" جامحة.

وقد ضلعت مجموعات "جلجلت" في تنفيذ عدد من العمليات المسلحة، أبرزها العملية التفجيرية أوائل 2009، بوضع ثلاث عبوات ناسفة لاستهداف دورية تابعة للجيش الإسرائيلي، بجانب محاولتها استهداف موكبي الرئيس الأمريكي الأسبق "جيمي كارتر" ورئيس الوزراء البريطاني السابق، ومبعوث اللجنة الرباعية "توني بلير"، اللذين كانا في زيارتين منفصلتين إلى غزة، فضلاً عن تفجير العشرات من مقاهي الانترنت في غزة، وتعتبرها تنشر الفساد والرذيلة.

علماً بأن التأريخ الدقيق لظهور مجموعات "جلجلت" في قطاع غزة، تزامن مع اللحظة التي قررت فيها حركة حماس الدخول في الانتخابات التشريعية بداية عام 2006، عبر إصدار بيان بعدم جوازها شرعاً، وتشير الأوراق المتناثرة لهذه المجموعات إلى تأثرهم الشديد بمن أسموهم "المشايخ الكبار" المنادين بالجهاد العالمي في الشيشان، قبل أن ينتقلوا إلى أفغانستان والعراق، رغم أن البنية الأساسية لها درست المنهج التربوي الأساسي لجماعة الإخوان المسلمين.

الأمر الذي يبدو حديثاً على كاتب هذه السطور ما ذكره مسئول في "جلجلت"، بقوله: "إن مسئولين عسكريين كبار، وقادة سياسيين وكفاءات أكاديمية وأساتذة جامعات، انضموا إليهم، ومع أن هذه معلومات ليس سهلاً تأكيدها، في ضوء أن المنتمين لهذه المجموعات من الشباب اليافعين، المتحمسين لفكرة "تطبيق الشريعة" وإقامة الدولة الإسلامية، ليس أكثر".

وتعترف "جلجلت" بتحمل مسؤولية التفجيرات التي شهدتها أنحاء مختلفة من قطاع غزة منذ سيطرة حماس عليه، وفقاً لما جاء على لسان أحد مسئوليها: "قبل القيام بالتفجير يتم الحديث مع صاحب المكان الذي لديه "مفسدة"، وينصح عبر كتاب أو بيان أو دعوة لإزالتها، وإن لم يزلها بعد عدة تحذيرات، يتم تفجير المحل بعد الحصول على "فتوى شرعية" بذلك، بحيث لا يتم إلحاق الأذى بالجيران وحياتهم، ونحرص على ألا يتم المساس بحياته، بل فقط في مكان "المفسدة".([12])

  • بوادر الشقاق

ترى الجماعات السلفية، أو "البنلادنيون" الفلسطينيون أنهم لم يجدوا دعوات الجهاد العالمي ضد "الكفار" لدى الإخوان، الذين اقتصرت مقاومتهم ضد الاحتلال، ونظروا إلى حماس كـ"حركة وطنية" تشارك في المجالس التشريعية، أكثر من كونها "حركة إسلامية" تحكم الشريعة.([13])

وبات المسوغ الأساسي لانطلاق هذه المجموعات، يتمثل بدعوة حماس للعودة إلى "منهج الجهاد"، وترك المنابر السياسية والتشريعية، والحكم بالشريعة، بدلاً من القوانين الوضعية.

وتأسيساً على ذلك, أصبحت الحركات السلفية في قطاع غزة, تركز على:

  1. اعتماد مقاربة للصراع, ترى أن المطلوب هو تحرير القدس والمسجد الأقصى.
  2. عدم إقامة دولة فلسطين بالمعنى السياسي العلماني, بل "إمارة" إسلامية بالمعنى الشرعي.
  3. العمل ضمن منظومة الإمارات الإسلامية الأخرى, التي نجح "المجاهدون" في إقامتها، وهنا يتجلى نموذجا طالبان في أفغانستان، ودولة العراق الإسلامية، وشبه الدولة في الصومال.
  4. انتقادات السلفيين لحركة حماس, بأنها بعد سيطرتها على قطاع غزة, لم تعلن قيام الإمارة الإسلامية, ما يعتبر تقصيراً في إكمال أداء الواجب الشرعي الذي كلف الله به المجاهدين.

وقد استندت في انتقادها على النص الشرعي القائل: "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر"، وهو النص الذي تستند عليه ثقافة الخطاب الإسلامي المتعلق بما يطلق عليه تسمية "فقه التمكين".

بكلمات أخرى، فإنها ترى أن الله مكن لحركة حماس من قطاع غزة، لكنها "تقاعست" عن إعلان قيام الإمارة الإسلامية، المعنية شرعاً بأداء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وجاءت الأحداث الدامية في مسجد ابن تيمية جنوب قطاع غزة، أواسط شهر آب أغسطس 2009، لتبرز إلى السطح حقيقة الخلاف الجوهري بين التيار الإخواني ممثلاً بحركة حماس، والتيار السلفي التابع لمنظومة الجهاد العالمي، وهو خلاف بقي تحت الرماد.

ويتمثل الجانب الأخطر في هذه المجموعات بـ"الحالات العسكرية"، في ضوء أنها:

أ- تجميع لحاملي البنادق دون محيط تنظيمي يسندهم بشتى أنواع الدعم السياسي والمالي.

ب- ينجذب إليه صغار السن وبعض البسطاء رغبة في "الشهادة"، أكثر منه حباً في الجهاد، فللمقاومة مشاق ونصب وتعب لا يتحملها أمثالهم.

ج- يندفع قادة هذه "الحالات" إلى جذب الإعلام إليهم، فيسرعون بعمل دون خطة ولا حذر، وتكون النتيجة أن عملية فدائية قد تمت، ودليل نجاحها استشهاد المنفذين جميعهم.

د- العمل المقاوم يحتاج إلى وعي أمني وحذر شديد، فيكف إذا كان العدو هو الاحتلال الإسرائيلي، بما يمتلك من أدوات تجسسية خطيرة، فهذا أدعى بأن يزداد الحذر أمناً وحرصاً.

  • السلفيون ومشروع الإمارة

يسود اعتقاد بأن التنظيمات السلفية وجدت في غزة، كخلايا سرية راقدة، في مرحلة سابقة على 2006، وبدأ عملها في السنة الثانية من الانتفاضة، مستفيدة من العوامل التالية:

  • زخمها وطابعها العسكري،
  • انهيار أجهزة أمن السلطة الفلسطينية،
  • انخراط عدد غير قليل من كوادرها في عمليات المقاومة،
  • التنافس والصراعات الداخلية بين الفصائل.

ويعتقد فريق آخر أن تأخر الإعلان صراحة عن وجود التنظيمات الإسلامية والمجموعات السلفية المرتبطة بها إلى عام 2006 وما بعده، جاء للأسباب التالية:

    1. وجود تناقض أساسي وعميق، بين أيديولوجية النظام السياسي الفلسطيني، في ظل قيادة الرئيس الراحل ياسر عرفات، وأيديولوجية جماعات الإسلام السياسي، خصوصاً السلفية.
    2. قوة وفاعلية أجهزة أمن السلطة،لم يسمح بالإعلان عن تنظيمات مرتبطة وموالية للسلفيين.
    3. وجود تنسيق أمني واستخباراتي، وتبادل للمعلومات بين أجهزة الأمن الفلسطينية والإسرائيلية، وبعض أجهزة الأمن العربية.([14])

في المقابل، بدأت هذه التنظيمات السلفية والمرتبط بعضها بتنظيم القاعدة، تدعو بصوت مرتفع لإقامة الدولة الإسلامية، يمكن عرضها في القائمة التالية:

  • جاء ظهور تنظيمات سلفية، ثمرة منطقية للمناخ السياسي العام السائد في الأراضي الفلسطينية، بدءاً باندلاع الانتفاضة أواخر عام 2000، وغلبة الطابع العسكري عليها، ومروراً بالانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب من قطاع غزة 2005، وصولاً إلى ضعف السلطة، ووهن قبضتها الأمنية، وانفلات عناصرها وكوادرها.
  • انهيار أجهزة أمن السلطة الفلسطينية أواسط عام 2007، أمام حركة حماس، وما أسفر عنه من انحلال كامل للأجهزة الأمنية، وانكشاف الميليشيات التابعة لها، مما أدى لانسحاب وهجرة العديد من الكوادر، والتحاقها بجماعات أخرى منافسة، بما في ذلك المرتبطة بالسلفيين.
  • خلفت الانتفاضة وراءها عشرات الآلاف من الشباب الذين ارتبط مصيرهم الشخصي باستمرار حالة المقاومة المسلحة، وأدى الانحسار التدريجي لعملياتها، بفعل إعلان التهدئة مع إسرائيل أواسط عام 2008، والفترة التي أعقبت الحرب على غزة أوائل 2009، إلى وجود فائض حقيقي للمخزون الفردي والجماعي من العنف، ما يسمح بتسربه للأطر التي تتبنى عقائد عنفية وجهادية، كالتنظيمات السلفية على وجه الخصوص.
  • تبني هذه التنظيمات السلفية لمفاهيم وأفكار تستند في الأساس إلى كتاب "الفتاوى" لابن تيمية، وتأثرها بمؤلفات أبي محمد المقدسي، المرشد الروحي لأبي مصعب الزرقاوي، وانتحال عدد من قادة هذه الجماعات، مثل: أحمد مظلوم المكنى بخطاب المقدسي، ويعد المرجع الفقهي لتنظيم جيش الإسلام، وأبو حفص المقدسي زعيم جيش الأمة، وأبو صهيب المقدسي زعيم كتائب سيوف الحق-جيش القاعدة.

إذا فسرت هذه الأسباب البيئة التي أسهمت في "استنبات وتفريخ" التنظيمات الجهادية والجماعات السلفية، فسيكون من اللازم البحث عن أسباب أخرى، تقوى على تقديم تفسير منطقي، أو تبرير عقلاني، للعلاقة القائمة بين حركة حماس، وبين تلك التنظيمات والجماعات، وأثر ذلك كله على مستقبل إعلان مشروع الدولة الإسلامية.([15])

علماً بأن بعضاً من أصغر الجماعات الجهادية السلفية في غزّة، التي لا يعدو الكثير منها على أن يكون جماعة بالاسم فقط، لا تربطه أية صلة بالقاعدة فيما عدا رؤيته المعلَنة القائمة على تأسيس خلافة إسلامية في فلسطين تلتزم بالشريعة الإسلامية بحذافيرها.

وقد ركزت هذه المجموعات الأصغر حجماً هجماتها على أهداف إسرائيلية وعلى منظمات "غير إسلامية" في غزّة، ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى افتقارها لقدرات تسمح لها بتجاوز هذا الإطار، كما أن العديد منها يحصر نشاطه بالقطاع، لكنه ربط تهديداته وهجماته بقضايا عالمية.

ففي ردّ على الرسوم الكرتونية التي نُشرت في الدانمارك، وعلى تعليقات بابا الفاتيكان التي اعتبرتها معادية للإسلام، هددت بشنّ هجمات على عدة كنائس في غزّة.

وهذا النوع من الدوافع العالمية لشنّ هجمات محلية يعكس تحول هذه المنظمات من الأيديولوجيا الإسلامية القومية إلى الأيديولوجيا الأممية، التي تتبنّها جماعات جهادية سلفية عديدة في غزّة، وتربط بفاعلية قضيتها المحلية بالدفاع العالمي عن الإسلام فيما يوصف بالتيار الإسلامي "العالمي المحلي".([16])

وقد شهدت الأراضي الفلسطينية عموماً، وقطاع غزة خصوصاً، في السنوات الأخيرة عدداً من الحوادث الميدانية التي نفذتها مجموعات سلفية، ضد من أسمتهم "الكفرة والصليبيين" المتواجدين على أرض فلسطين، كمقدمة طبيعية لإقامة الدولة الإسلامية بنظرها، وهي حوادث لاقت إدانة كبيرة ومعلنة من حماس، قبل وبعد توليها السلطة، وإن رأت أن "أسلمة" المجتمع الفلسطيني، مسألة بحاجة للعمل على نار هادئة دون إثارة القوى المحلية والإقليمية والدولية.

 

ومن الحوادث التي رأت فيها الجماعات السلفية تقريباً لـ"حلم الدولة الإسلامية":

1- الاعتداء على المسيحيين: شهدت العلاقات الإسلامية المسيحية في فلسطين نمواً وتحسناً لم تشهده الدول العربية قاطبة، وبالتالي فإن اعتداءات هذه المجموعات من الشبان لا ترقى لأن تكون السمة العامة لهذه العلاقات، ويمكن سرد أبرز الاعتداءات على المؤسسات المسيحية:

أ- تفجير مكتبة جمعية الكتاب المقدس المسيحية في أبريل 2007، الذي ألحق دماراً بها.

ب- استهداف المدرسة الأمريكية شمال قطاع غزة في أبريل 2007، وكافة طلابها ومدرسيها من الفلسطينيين، وقام المسلحون بإبلاغ حراسها رسائل تحذرهم من وجود الأجانب داخلها.([17])

ج- اقتحام مدرسة النور المعمدانية في فبراير 2008 من قبل رجال ملثمين، اعتدوا على حراسها ضرباً، وعاثوا فيها خراباً وتدميراً، وهددوا الحراس إن عادوا لعملهم في المدرسة.([18])

وجاءت هذه العمليات بدعوى أسماها أبو حفص زعيم جيش الأمة بـ"التزام المسلمين في شتى أنحاء العالم بقتال الإسرائيليين والكفار، حتى يحكم الإسلام الأرض"([19])، وما قاله أبو المثنى من جيش الإسلام، من أن تنظيمه "سيواصل عمليات خطف الأجانب في غزة، طالما يستمر اعتقال المسلمين في سجون الدول الكافرة".([20])

2- "حماية" الأخلاق العامة: شهد قطاع غزة عمليات قتل لأكثر من فتاة وامرأة وجدت جثثهن في المزارع والغابات، وأعلنت مؤسسات حقوقية أنه في الشهور السبعة الأولى فقط من عام 2007، بلغ عدد النسوة اللواتي وجدن مقتولات في ظروف غامضة 12 سيدة.([21])

ومع تزايد انتشار هذه الجماعات قبل إعلان حماس ملاحقتها، تصاعدت الحوادث باسم "حماية الأخلاق العامة"، وتركزت على:

أ- تفجير مقاهي الانترنت، ومن الصعب إحصاء عددها، ولم تسلم منه مدينة من مدن القطاع، وتبنت جماعة "سيوف الحق" أغلب هذه التفجيرات، معتبرة هذه المقاهي "أوكاراً شيطانية".

وحسب تقارير ميدانية، فإن الشهور الأربعة الأولى من عام 2007 فقط، شهدت تدميراً لـ19 محلاً خاصاً، و6 مقاهي انترنت، و8 مؤسسات أهلية، و19 مدرسة حكومية، ومركز تموين لوكالة الغوث.([22])

ب- هاجمت مجموعة سلفية، مهرجاناً لنشاط للأطفال أقامته وكالة الغوث الأونروا في مدرسة العامرية للاجئين بحي تل السلطان غرب مدينة رفح في السادس من مايو 2007، قتل فيه مرافق أحد نواب المجلس التشريعي، وأصيب ثمانية مواطنين بجراح من بينهم طفلان.

3- حملة "نشر الفضيلة": وقامت بها وزارة الأوقاف التابعة لحكومة حماس لمحاربة ما أسمتها بعض معالم الرذيلة بين الفلسطينيين، لاسيما على شاطئ البحر، وبعض الأماكن العامة.

4- فرض الحجاب على المحاميات: بإلزامهن بارتداء الزي الشرعي المخصص لهن أثناء مثولهن أمام المحاكم، وارتدائهن لكسوة من القماش الأسود المعروف بـ"الروب الخاص" بالمحاميات، أو البالطو، إضافة لغطاء يحجب الشعر كالمنديل.

وقد استنكرت نقابة المحامين والمنظمات الحقوقية القرار معتبرة إياه اعتداء على الحريات الشخصية، ومخالفاً للقانون، وتدخلاً غير مبرر في شؤون المحامين، وينطوي على مساس بالحريات الشخصية، حيث تراجعت حماس عن القرار بعد الضجة التي أثارها.([23])

ولعل هذا القرار جلب على حماس أسئلة كثيرة من المحبين لها قبل الخصوم، ومنها: هل أكملت ما هو مطلوب منها، وبقي شعر المرأة فقط؟ ولماذا يُقاس الإنسان بلباسه؟ ولماذا يُنصب البعض أنفسهم وكلاء على غيرهم؟ لو كان الانضباط الأخلاقي بكمية أذرع القماش، لما عرفت البشرية كل أنواع الفساد إلا حين هيمن نمط الإنتاج الرأسمالي وحده؟([24])

وكان بوسع حماس التفكير في تشكيل مثلث "التحالف التاريخي يضم الإسلاميين والاشتراكيين والقوميين"، ككتلة وطنية تقاوم وتبني، خاصة وأن غزة تحت الاحتلال والدمار والحصار، ولو أنها بقعة نفطية، لكان هناك ما يبرر أسباب الانغلاق "السلفي" الذي يمول نفسه!

لقد شكلت قرارات من هذا الطراز الهدية المثلى للكثير من القوى "المهزومة والمأزومة والمرتبطة بالعدو"، لتجعل منها جسراً للتكفير بكافة أنواع المقاومة، ما سيخلق لها جمهوراً رغم إفلاسها، فهل هذا ما ترجوه حركة حماس وكوادرها؟

  • القطيعة والتمايز

يمكن الرجوع إلى البدايات الأولى للخلاف الفكري والفقهي بين حماس والسلفيين، لاسيما فيما يتعلق بمسألة إقامة الدولة الإسلامية، وتطبيق الشريعة، وفق المراحل التاريخية التالية:

  1. بعد التوقيع على اتفاق مكة في شباط فبراير 2007، بين حركتي فتح وحماس، رفعت قيادة الجماعات السلفية من لهجة انتقادها لقيادة حماس، وجاءت "التعزية" من الرجل الثاني في تنظيم القاعدة "أيمن الظواهري" "في قادة حماس، لأنها لحقت –كما قال- بركب السادات".
  2. تصريح "أسامة بن لادن" في خطابه لتحرير فلسطين أنه "لن يحترم المواثيق الدولية كما احترمها قادة حماس وبعض قادة الإخوان المسلمين"، ووصفهم بأنهم "باعوا دينهم بدنياهم"، وطالب المخلصين فيها بإعلان تخليهم عن هذه القيادة، وأعلنوا براءتهم منها.
  3. جاء أبرز انتقاد على لسان "أبي عمر البغدادي" أمير دولة العراق الإسلامية الذي حدد نقاط المعركة مع الإخوان المسلمين كجزء من معركته وتجربته معهم في بغداد، وأنها تمتد إلى ساحات أخرى من العالم أبرزها فلسطين، وطالب المخلصين في كتائب القسام بالخروج، وإعلان تشكيلات جديدة بعيداً عن قيادة حماس.([25])
  4. يمكن الخروج بملخص لأبرز انتقادات السلفيين الجهاديين في فلسطين لسلوك حماس السياسي، وشكلت في فترة لاحقة الأسس الفكرية "للقطيعة" بينهما، وإطالة لأمد إقامة الدولة الإسلامية، على النحو التالي:
    • دخولهم العملية السياسية في ظل دستور "وضعي علماني"، وعلى أساس اتفاقيات أوسلو، التي "تخلت" عن أكثر من ثلاثة أرباع أرض فلسطين لليهود.
    • الاعتراف الضمني بإسرائيل، باعترافهم بشرعية السلطة الفلسطينية، وبشرعية رئيسهم "العلماني المرتد عميل اليهود المخلص".
    • تصريح قادة حماس باحترامهم القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة، باعتبار أن مجرد اعترافهم بهذه المنظمة إقراراً بقانونهم الوضعي، وبدولة إسرائيل العضو فيها.
    • دخولهم في حلف عجيب مع الأنظمة "المرتدة"، خاصة في مصر وسوريا، متنكرين لدماء إخوانهم في مجزرة حماة، فقد وصف خالد مشعل النظام السوري بـ"المسلم المخلص الحريص على الأمة العربية، والمدافع عن الحقوق الفلسطينية".
    • إعلان حماس أنها لا تسعى لأسلمة المجتمع الفلسطيني، وعدم مطالبتهم بأن تكون العملية السياسية وفق الشريعة، أو بتحكيمها لدى وجودهم في الحكومة، ولم يحكموها بعد سيطرتهم الكاملة على غزة.
    • عداء حماس المفرط للسلفية الجهادية، ومحاولتها الجادة والمستمرة لإجهاض أي مشروع إسلامي قائم على أساس سلفي.([26])
    • لم تبد الجماعات السلفية قناعتها بما تعلنه حماس حول اتباع سياسة "التدرج" في تطبيق الشريعة، وإقامة الحدود الشرعية.([27])

وقد يكون من الضروري تقسيم العلاقة بين حماس والجماعات السلفية، التي باتت تطالب صباح مساء بإقامة الدولة الإسلامية، وتطبيق الشريعة، إلى مرحلتين تاريخيتين متمايزتين:

  • المرحلة الأولى: قبل فوز حماس بالانتخابات التشريعية وتشكيل الحكومة، وعند البحث في أسباب هذه المرحلة التي دفعت بالحركة لإقامة علاقات مع الجماعات السلفية، نجد أن حاجة حماس لترتيب تحالفات واسعة، مع كل القوى المناوئة لفتح ومنظمة التحرير، وتتماثل وتتقاطع معها في وجهات النظر والموقف من السلطة الفلسطينية، ولهذا نظمت نوعاً من اصطفاف قوى التيارات الإسلامية في مواجهة من تعتبرها فصائل علمانية.

كما سمحت علاقة حماس بهذه التنظيمات، بإيصال رسائل سياسية عن قدرتها على التحكم والسيطرة، سواء بالتشغيل أم بالإحباط، وفقاً لمقتضيات الظروف، ومن شأن هذه العلاقة أن تخفف قدر الإمكان من التهجمات الإعلامية العنيفة التي استهدفت حماس مِنْ قِبَلِ قيادات تنظيم القاعدة، كالظواهري، والبغدادي، ومع ذلك، فقد حرصت حماس على إبقاء مسافة مع الجماعات السلفية، لاعتبارات كثيرة.

  • المرحلة الثانية: بين عام 2007 وحتى كتابة هذه السطور، وتحديداً بعد ما قامت به حماس من سيطرة مطلقة على قطاع غزة أواسط 2007، حيث رحبت بها التنظيمات والخلايا السلفية شبه السرية، التي تستلهم فكرها الجهادي.

في المقابل، كافأت حماس ما سميت بـ"الجهاديات القاعدية" بتعاطف حنون، وصل حدود التسامح مع التدريب والتجنيد، عبر عنه باسم حلف "الجنتلمان" غير المكتوب بين الجانبين، وبات من المسلم به أن التناقضات الأيديولوجية بينهما تتركز في الخلاف حول مسألة تطبيق الشريعة، حيث اعتبر السلفيون مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية انتهاكا لمبدأ "الحاكمية الإلهية"، ما وجد طريقه في الحملات التكفيرية التي شنها بعض رموزهم ضدها.([28])

الغريب في الأمر، أن الحرب الضارية التي شنتها إسرائيل على حماس أواخر 2008، وأوائل 2009، لم تشارك بها التنظيمات السلفية، وحين وصل الجانبان إلى تهدئة غير مكتوبة عقب الحرب، لجأت تلك التنظيمات لإطلاق الصواريخ على المستوطنات الإسرائيلية، ليس بداعي المقاومة الحقيقية، بقدر ما هو "مناكفة" لحماس في غزة، ومحاولة منها لاستدراج إسرائيل إلى رد مؤلم ضدها.

وقد حاولت حماس استعادة المبادرة من السلفيين، من خلال تَوَجُّهَيْنِ اثنين:

1- التوجه الأيديولوجي الفكري: حيث أرسلت حماس شيوخها إلى المساجد لـ"توعية" الشباب الذين استقطبهم السلفيون، ثم السيطرة على الأنفاق للتحكم بحركة التسلل والتموين، واستطاعت إعادة عدد منهم إلى "جادة الصواب"، كما قالت، وبدأت فعلياً بما أسمتها "معالجة فكرية" للسلفيين في أعقاب اعتقال أعداد منهم بعد إعلانهم "إمارة إسلامية".

ووفقاً لما يتردد من معلومات ومعطيات، فإن التحدي الذي يواجه حماس يتمثل بأن هذه المجموعات تنطلق من خطاب إسلامي ديني، يجد صداه وقبوله في أوساط عديدة من قواعد حماس التنظيمية، ما دفع بها لإقامة جلسات فكرية، ومحاورات فقهية، ومناظرات دينية، مع مروجي فكر السلفيين، واستطاع بعض العلماء استقطاب عدد من هؤلاء الشبان المنتمين إلى تلك الأفكار، فلجأت إلى الأسلوب الإقناعي، ومحاججة الفكرة بالفكرة.

علماً بأن رؤية تلك المجموعات للواقع الفلسطيني يتمثل في أنهم "يسعون لإصلاح حال الأمة، وتحكيم الشريعة، لأنها راحة لكل مسلم حيث العدالة والمساواة، انطلاقاً من أن تطبيق الشريعة في غزة بشكل صحيح، سيحل المشاكل مع الحفاظ على الجهاد".([29])

وقد جرت العادة في أسلوب التأهيل الفكري، أن تجلس مجموعة من المشايخ والعلماء مع الشباب صغار بالسن، ويعلمونهم وسطية الإسلام وأهمية الوسطية في الحياة، ويتم محاججتهم، وتقديم الأدلة لهم على خطأ ما كانوا يقومون به.([30])

كما دأبت حماس على القيام بحملات توزيع تعميمات تنظيمية، ومحاضرات داخلية تنبه قواعدها إلى خطورة الدعوة "المتعجلة" إلى تطبيق الشريعة في ظل عدم نضوج الظروف الميدانية، وعدم التفهم الداخلي والخارجي لها، وجاءت هذه الفعاليات والأنشطة الداخلية تحت عنوان: "تطبيق الشريعة الإسلامية..ضوابط وأحكام".

وقد أطلقت حماس سراح العشرات من هؤلاء بعد أن أجرت لهم "تأهيلاً فكرياً"، وتم الحديث معهم بكثافة من قبل مختصين لترك التكفير، والدخول في وسطية الإسلام، وأخذ تعهد من المفرج عنهم بعدم العودة لأي نشاطات من شأنها زعزعة الاستقرار والتأثير على حياة الناس، في ظل عدم استبعاد لعودة الظاهرة من جديد.

2- المعالجة الأمنية الميدانية: ففي حين أخفق المشايخ والعلماء في العلاج الأول، تحركت أجهزة الأمن التابعة لحماس، وشنت حملات مراقبة وملاحقة واعتقال، ومحاولة لاستعادة المساجد التي حاولت التنظيمات السلفية نشر أفكارها من خلالها.

ولعل الأمر الأكثر أهمية في الآونة الأخيرة، أن نقاشات ساخنة جرت أواخر العام 2009 داخل أروقة حركة فتح، وهي التي تعلن عن نفسها بأنها "علمانية"، نتيجة ازدياد لجوء عناصرها إلى الجماعات السلفية "الجهادية" في قطاع غزة، وقد وجهت قياداتها كتباً تحذيرية ورسائل للسلطة الفلسطينية، من عدم "سوية" هذه الظاهرة.

فيما رأت مصادر حركة حماس أن هدف هؤلاء في الانضمام للجماعات السلفية هو "الانتقام" منها، والحصول على غطاء يمكن من خلاله مواجهتها، والخطير في الموضوع هو ازدياد عدد هذه الحالات، خاصة بعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، حيث اتهمت حماس قيادات فتح بدعم الجماعات السلفية التكفيرية، لضرب مصالح الحركة ومراكزها في القطاع، وإعادة السلطة الفلسطينية بالقوة العسكرية.([31])

في العموم، فإن علاقة حماس، حكومة وحركة، لم تَسِرْ على وتيرة واحدة مع هذه الجماعات، وشهدت فصولاً متعددة من الاحتقان والتوتر والمواجهة، على النحو التالي:

  • تحرير الصحافي البريطاني "آلان جونستون"، في يوليو تموز 2007، بعد مائة يوم من اختطافه.
  • مهاجمة قوات أمنية تابعة لحماس في شهر ديسمبر/كانون الأول 2007، منطقة الصبرا وسط غزة، حيث تقطنه عائلات أغلب قادة "جيش الإسلام".
  • اعتقال "أبي حفص المقدسي"، زعيم "جيش الأمة" مع 32 من أنصاره وكوادره، في آب أغسطس 2007، ثم إخلاء سبيله بعد ثلاثة أسابيع.
  • المواجهة الدموية مع جماعة السلفيين في رفح جنوب قطاع غزة يوم الجمعة الموافق 15 أغسطس آب 2009، بعد إعلان زعميها المكنى "أبو النور المقدسي" عن إقامة الإمارة الإسلامية، وإنذار حماس بتطبيق الشريعة، حيث أسفرت الاشتباكات عن سقوط قتلى وجرحى، واعتقال عدد من نشطاء التنظيم.

وقد تركز السبب الجوهري في ذلك اتهام السلفيين لحماس بأنها "لا تحكم بالشريعة الإسلامية، ولا تقيم دولة الإسلام"، بعد أن أعلن زعيمهم أن قادتها "إذا طبقوا الشريعة الإسلامية في غزة، فإنه سيكون خادماً عندهم".([32])

وحرصت حماس من جهتها بعد معالجة الموضوع أمنياً بصورة جذرية، أن تصف الأمير السلفي بأنه مصاب بـ"لوثة عقلية، ومنزلقات فكرية، وتكفيري"، محملة إياه جرائم حدثت في غزة بين الحين والأخر كتفجير مقاهي إنترنت، واستهداف مدارس مسيحية، وحفلات أفراح عامة، واتهمته بالتبعية للعناصر الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وهو ما نفته الجماعة باستمرار، وتبرأت منه.

ج- إلقاء القبض على محمود طالب، أبرز قياديي المجموعات السلفية بتاريخ 14 شباط فبراير 2010، بعد تضييق الخناق عليه، وملاحقته من بيت لبيت، لاتهامه بالوقوف خلف عمليات التفجير التي شهدها قطاع غزة أوائل عام 2010.([33])

ورغم أنه لم تجرِ مواجهات واسعة مع باقي المجموعات السلفية، إلا أن رسالة حماس وصلت إليها، وآثرت ألا تجازف بتحدي سلطتها في هذه الظروف.

وقد أشارت أوساط إسرائيلية وغربية أن تعزز التواجد السلفي الجهادي في غزّة يرتبط بالمقاتلين "الأجانب" الذين دخلوها للترويج لأيديولوجيتهم ولتنفيذ هجمات مسلحة، داخلية وخارجية، ويُعتقد أن بعضهم من المقاتلين المجرّبين الذين وفدوا لتقديم التدريب، في حين يبدو أن البعض الآخر قادم لكي يتلقى تدريبات والمشاركة في الجهاد، ويقدّر بأن العدد الإجمالي للمقاتلين الأجانب يتراوح بين 30-50 مقاتلاً.

وذكرت المصادر أن العديد من العناصر السلفية سلموا أنفسهم للقوات الأمنية التابعة لحماس، التي تجري "إعادة تأهيل فكري" لهم، وأنهم يتجاوبون بشكل كبير مع هذه العملية.

ولعل ذلك ما دفع بمصادر أجهزة الأمن التابعة لحماس للقول أن الظاهرة السلفية بدأت بـ"التلاشي"، عقب المعالجة الفكرية لأشخاص يحملون هذا الفكر "المشوه"، وشهدت الفترة الأخيرة تقلصاً في أعدادهم، بعد أن تم اعتقال الرؤوس الكبيرة لهم، والمسئولين عن تجنيدهم.([34])

أخيراً..فإن الخلاف القائم بين حركة حماس والتنظيمات السلفية حول مسألة إقامة الدولة الإسلامية، وتطبيق الشريعة الإسلامية، وتنفيذ الحدود الشرعية، في الأراضي الفلسطينية، ظاهرة جديرة بالنقاش والتفكر، ودراسة للأسباب والعوامل، والتأمل في طبيعة التعامل معها، في ضوء أن إقامة هذه الدولة باتت تحتل حيزاً هاماً من تفكير أبناء الجماعات الإسلامية الفلسطينية، بعيداً عن الأحلام الرومانسية والأماني العاطفية التي لا تستند إلى وقائع حقيقية تدعم هذا التوجه، وتمنحه أسباب البقاء والدوام.


* الهوامش

1) صدر ميثاق حماس التأسيسي في شهر آب أغسطس 1988، وتكون من 36 مادة، ويتناول مواقفها ورؤاها السياسية والاجتماعية والدينية، ومنذ سنوات ظهرت إرهاصات ومطالبات داخل الحركة بضرورة إحداث تغيير جوهري في مواده التي تعالج تلك الرؤى الإشكالية.

2) البرنامج الانتخابي لكتلة الإصلاح والتغيير، غزة، فلسطين، ديسمبر كانون أول 2005.

3) قناة الجزيرة الفضائية، 25/9/2007.

4) إمارة حماس الليبرالية، معلومات عامة، فبراير 2009.

5) كيفين براينو، نيوزويك، فبراير 2006.

6) محمد أحمد الراشد، رمزيات حماسوية،  بغداد، 2006، ص18.

7) د. عبد اللطيف الهرماسي، منبر التوحيد والجهاد حوار مع أبو محمد المقدسي.

8) جيروزاليم بوست، 15/7/2008.

9) بيان أهل السنة والجماعة، 9/9/2007.

10) منبر التوحيد والجهاد، بيان صادر بتاريخ 17/7/2008.

11) مروان شحادة، مستقبل تنظيم القاعدة في فلسطين، مركز رؤية للدراسات الإستراتيجية، 2006، ص34.

12) جريدة الأيام، 18/6/2008.

13) د. عدنان أبو عامر، جلجلت..هل تستقطب عناصر حماس لعباءة القاعدة؟ إسلام أون لاين، 10/8/2009.

14) د.سمير غطاس، المجموعات السلفية في فلسطين، ، ص14.

15) موقع الجمل، قسم الدراسات والترجمة، 3/2/2010.

16) يورام كوهين، المجموعات السلفية في فلسطيني، معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، 2010، ص14.

17) جريدة الأيام، 28/4/2007.

18) صحيفة القدس، 28/2/2008.

19) بيان صادر عن جيش الأمة، بتاريخ 3/3/2008.

20) تصريح صحفي صادر بتاريخ 15/4/2008.

21) التقرير السنوي لمركز الميزان لحقوق الإنسان، غزة، 2007،  ص23.

22) المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، تقرير صادر في يونيو حزيران 2007.

23)  بالإمكان مراجعة الوسائل الإعلامية في الأسبوع الأخير من ديسمبر 2009، لمتابعة التغطية الإعلامية لهذا القرار وتبعاته وحيثياته.

24) د.عادل سمارة، تعدي حماس على المرأة معناه بدء أزمتها، كنعان النشرة الإلكترونية، آب أغسطس 2009.

25) من خطاب للبغدادي أمير دولة العراق الإسلامية، مؤسسة الفرقان الإعلامية، 2008.

26) انتهى الاقتباس من خطاب أبي عمر البغدادي.

27) عبد  الباري عطوان، حماس ومأزق التطرف، افتتاحية، القدس العربي، 17 أغسطس 2009.

28) الشرق الأوسط اللندنية، 18/9/2008.

29) المتابع لأدبيات هذه المجموعات يشير إلى امتلائها بمثل هذه المفردات.

30) تصريح لرابطة علماء فلسطين، 15/11/2009.

31) الجزيرة نت، 10/2/2010.

32) موقع جند أنصار الله على الإنترنت، نص خطبة الشيخ أبو النور المقدسي، ومنهجية الجماعة وبياناتها.

33) جريدة الرسالة، 11/2/2010.

34) موقع وزارة الداخلية، 27/12/2009.