الدعم الإقليمي لقطاع غزة..قطر وتركيا نموذجاً     

  • الثلاثاء 16 يناير 2018 02:32 ص

 

                            الدعم الإقليمي لقطاع غزة..قطر وتركيا نموذجاً     

  • مقدمة

شهد قطاع غزة منذ فرض الحصار الإسرائيلي عليه حراكاً إقليمياً ودولياً ملحوظاً لتقديم الدعم للسكان المحاصرين، لكن ما بدا لافتاً للانتباه أكثر من سواه حضور عدد من الدول والكيانات السياسية، كتركيا وقطر وماليزيا والمنظمات الإقليمية والعربية والإسلامية، لم تكن بذلك الحضور قبل حصار غزة، وتحديداً أكثر قبيل سيطرة حركة حماس على القطاع، ما قد يسمح بالقول أن الدعم والمساعدات لم تكن "بريئة" إلى هذا الحد، ويمكن اعتبارها جزءً من "المال السياسي" الذي يوازيه ذلك الدعم الغربي والأمريكي المقدم للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.

الورقة البحثية التالية ستسعى للإجابة عن جملة من الأسئلة المشروعة، ومنها:

  1. ما حجم الدعم المقدم من تلك الدول والكيانات، بعيداً عن لغة الأرقام الدقيقة؟
  2. طبيعة المجالات والقطاعات التي تقدم لها المساعدات في غزة، وتبيان مدى حاجة القطاع لها؟
  3. الدلالات السياسية والدبلوماسية لتلك المساعدات، ومدى اتساع قطاع غزة للنفوذ الإقليمي متعدد المشارب الفكرية والإستراتيجية؟

 

  • أولاً: أوجه الدعم

تشير المعطيات الاقتصادية إلى أنه بعد مرور شهر ونصف على وقف حرب إسرائيل على قطاع غزة، بين يومي 27/12/2008 – 17/1/2009، عُقد في منتجع شرم الشيخ ليوم واحد، مؤتمر إعادة إعمار قطاع غزة، بتاريخ 2/3/2009، بمشاركة 70 دولة و16 منظمة إقليمية ومؤسسات التمويل الدولية، كالأمانة العامة للأمم المتحدة والجامعة العربية والبنك الدولي.([1])

وإلى جانب هذا المؤتمر، فقد تقدم عدد من المؤسسات الداعمة، العربية والإقليمية والدولية، لتقديم الدعم والتمويل لإعمار غزة، ومحاولة تعويض الخسائر الناجمة عن هذا الحصار، لكن أهم ما واجه هذه المؤسسات من عقبات تمثل بتفاوت تقدير أضرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة بين حكومتي غزة ورام الله.

ومع ذلك، فقد بات واضحاً أن أموال المساعدات والدعم المالي لقطاع غزة، ذهبت نحو أوجه صرف تفصيلية ومحددة، تجاوباً مع تقديرات الاحتياجات في القطاعات المختلفة، مبنية على مسوح ميدانية نفذتها مؤسسات محلية ودولية متخصصة"([2])، ما يعني أن عناوين الإنفاق تتسع لتشمل:

  1. توفير ملاجئ مؤقتة لمن دمرت منازلهم،
  2. إصلاح شبكة الكهرباء، والآبار، وشبكات المياه والصرف الصحي،
  3. إعادة إعمار دور العبادة، والمراكز الثقافية، والمواقع التراثية،
  4. بناء وترميم ما يقرب من 4036 منزلاً دُمرت كلياً، وترميم 11514 منزلاً دُمرت جزئياً،
  5. تقديم إعانات إيجارية لأصحاب المنازل إلى حين الانتهاء من إعمارها،
  6. إعادة تأهيل الطرق والجسور المدمرة،
  7. تعويض المزارعين عن خسائرهم،
  8. إعادة تأهيل وإعمار المنشآت الصناعية والتجارية والخدمية المتضررة ... إلخ.([3])

من جانب آخر، وفضلاً عن موقف حكومة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية التي ترى نفسها الطرف المخول استلام أموال الإعمار، فإن أكثر من جهة إقليمية مُقرِرة بشأن المساعدات رأت أن "أموال غزة ستُحول عبر السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية([4])، وأنه لا داعي للبحث عن آلية أخرى تتولى تمويل قطاع غزة بديلاً عن السلطة، وهو ما صرح به حسام زكي الناطق باسم وزارة الخارجية المصرية، بقوله: لن يتم إنشاء آليات جديدة لتمويل عمليات إعادة إعمار غزة، وإن ضخ الأموال سيتم من خلال السلطة، أو بالتنسيق معها في إطار تحقيق الأهداف التي وضعتها بالاتفاق مع الأطراف المانحة.

وفي تحذير واضح من قبل مسئول في البنك الدولي عن "آلية لضمان عدم وصول الأموال لحماس"، ما أكدته "هيلاري كلينتون"، وزيرة الخارجية الأمريكية التي قالت: "عملنا مع السلطة الفلسطينية لتثبيت الضمانات التي تكفل استخدام تمويلنا حيث يجب، وأن لا تصل في نهاية المطاف إلى الأيدي الخطأ".([5])

ويشير الحصر الأولي للدعم المقدم لقطاع غزة، إلى التأكيد على طغيان اللون السياسي الواحد تقريباً على المبالغ الممنوحة، وهي الداعمة لحركة حماس وحكومتها في غزة، فضلاً عما تقدم، وانسجاماً معه، مع العلم أن وعوداً سابقة قدمت لإعادة إعمار غزة، تكررت منذ بدأ العدوان عليها في 27/12/2008، رسمية كانت أو شعبية، أولها كانت من أمير قطر، الذي أعلن استعداده لتقديم 250 مليون دولار، وكان ذلك في ذروة العدوان الإسرائيلي، وفور تدمير مجموعة كبيرة من المباني والمجمعات الحكومية، أما أكبر الوعود فما أعلنه العاهل السعودي، حيث قدم وعداً بمليار دولار خلال قمة الكويت الاقتصادية التي عقدت في 19/1/2009، وشهدت وعوداً بتبرعات من الكويت بقيمة 200 مليون دولار، ومن الجزائر بقيمة 300 مليون دولار، من الحكومة وتبرعات شعبية.

من المهم الإشارة في هذه الورقة إلى ضرورة تبديد انطباع خاطئ جراء المبالغة في التركيز على إسهام بعض المانحين، مقابل التعتيم على دور البعض الآخر، وبكلمة محددة، كان وزن بعض الدول في تقرير الجانب السياسي والإجرائي أكبر من إسهامها بالتبرعات المالية، على عكس دول أخرى التي أسهمت في المال أكثر مما أعطي لها من دور في تقرير السياسة والآليات، وقد توزعت المبالغ الممنوحة على الدول والتكتلات السياسية أو الاقتصادية الهامة، والغرض من إبراز هذه النقطة إعادة الاعتبار للنقاش الذي يجب ألا ينقطع حول كيفية تحويل القوة الاقتصادية لبعض الدول إلى قوة سياسية تقرر لنفسها ما تفعل، لا أن تكون رهينة قرارات الآخرين.

على الصعيد الرسمي الداخلي، أعلنت حكومة حماس في غزة صرف ألف يورو لكل أسرة شهيد، و500 يورو لكل جريح، كما قررت البدء بتقديم مساعدات إيواء عاجلة لإيواء الأسر التي تهدمت منازلها أو تضررت، بصرف 4 آلاف يورو لكل رب أسرة تهدم منزله، وألفي يورو لمن تضرر منزله جزئياً، كما بلغ إجمالي المساعدات ما يتراوح بين 35-40 مليون دولار، دُفعت للإيواء، وليست تعويضاً عن المنازل المهدمة.([6])

ولاحقاً، أُعلن عن ارتفاع التعويضات المقدمة إلى 55 مليون دولار، هي قيمة الإغاثة العاجلة المقدمة من حكومة حماس، ويعود ارتفاع الأرقام إلى اتساع نطاق المشمولين بالإغاثة، فضلاً عن زيادة نصيب ما قدم للمتضرر الواحد، فيما أعلنت حكومة رام الله أن جهود الإعمار والاغاثة كلفتها 50 مليون دولار لتوفير ملاجئ مؤقتة لمن دُمرت منازلهم، و11 مليون دولار لإصلاح شبكة الكهرباء، و6 ملايين دولار لإصلاح الآبار وشبكات المياه والصرف الصحي.

 

  • ثانياً: نماذج من المساعدات:

توزعت المبالغ الممنوحة على الدول والتكتلات السياسية أو الاقتصادية الهامة، وفيما يلي ترتيب بأبرز المشاريع التي توزعت على النحو التالي:

  1. نفذت قطر عدداً من المشاريع، أهمها مشروع "فزعة أهل قطر" بالتعاون مع وكالة الغوث الدولية الأونروا، وتزويد وزارة الصحة بسيارات الإسعاف، والأجهزة والمستلزمات الطارئة، والتدخل السريع لمساعدة الانتعاش المبكر للقطاعات الزراعية والاقتصادية والإسكان الطارئ للمساكن المدمرة بالحرب، وترميم وإصلاح الأضرار في المدارس والمرافق الصحية، وإزالة الأنقاض، وتزويد مرافق الخدمة بالأجهزة والمعدات الضرورية، وحملة العزة لأهل غزة، وتقديم وجبات غذائية للأسر القاطنة في مخيمات الإيواء، فضلاً عن مشاريع الدعم العاجل للمتضررين من الحرب، وإفطار الصائم وزكاة الفطر والأضاحي، وحملة غزة التعليمية، والأضاحي المعلبة وبرنامج الكفالات.

كما افتتح في غزة عددا من المؤسسات الصحية، بدعم وتمويل عربي، ‏شاركت قطر ومؤسساتها الخيرية بدعم عدة أقسام كاملة فيها، وسط إشادة كبيرة بالدعم القطري ‏الموجه للقطاع الصحي الذي يعاني صعوبات كبيرة نتيجة استمرار الحصار المشدد على غزة، حيث تضم تلك المرافق الصحية التخصصية عدة أقسام، أهمها: أمراض الجهاز الهضمي والصدرية والكلى والقلب والأعصاب، والعناية المركزة وأمراض الدم والأورام.‏

  1. اختتمت مؤسسة أمان فلسطين – ماليزيا مشروع رمضان الخيري لعام 2011 بدعم سخي من الشعب الماليزي في مخيمات قطاع غزة، حيث استفاد أكثر من 10 آلاف أسرة من سكان المناطق المهمشة والحدودية، ونفذت بالشراكة مع 27 مؤسسة محلية مشروعي السلة الغذائية ووجبات الإفطار، وقامت بتوزيع الحلويات على الجرحى والمعاقين، وكسوة العيد لأطفال معهد الأمل للأيتام.
  2. افتتحت تركيا مؤسسات إغاثية في غزة لتقديم المساعدات لأهالي القطاع، ومنها مؤسسة "ياردم إلي"، والهلال الأحمر التركي، وجمعية الإغاثة التركية، في خطوة تهدف لتقديم المزيد من المساعدات الإغاثية التركية لسكان القطاع المحاصرين منذ سيطرة حركة حماس عليه في يونيو 2007، وكشفت المؤسسة أن أولى مشاريعها سيكون عبارة عن مؤاخاة العائلات التركية الميسورة مع نظيرتها الفقيرة في غزة، من خلال الدعم المالي والتواصل الاجتماعي، والعكوف على تعزيز دعمها الإغاثي لسكان غزة, عبر مشروع "العائلة الأخت" الذي بدأ تنفيذه مع بداية الحرب الإسرائيلية على القطاع، لدعم صمود الأهالي، والتخفيف عن معاناتهم، ومواجهة ما يقوم به الاحتلال من بطش وتدمير طال كافة جميع مناحي القطاع، وقامت بتوصيل المساعدات الإنسانية لغزة، وشرعت بالبحث عن أنصار من أوروبا وتركيا.

كما تقوم المؤسسات التركية بتوصيل أطنان من المساعدات الطبية، تلبية لاحتياجات 1.5مليون فلسطيني هم سكان القطاع، وتتشكل المساعدة الطبية على أمصال الدم والمضادات الحيوية والمسكنات، كما تواصل تركيا مبادراتها لنقل الفلسطينيين المصابين إليها لتداويهم.([7])

  1. توزع المنظمات الإسلامية العربية والعالمية، لاسيما دول الخليج العربي ومسلمي أوروبا، والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ومن يوصفون بأهل الخير في قطر والكويت والإمارات والسعودية والبحرين وسلطنة عمان ومسلمي فرنسا وبريطانيا، عبر وسطاء لهم في قطاع غزة مساعدات نقدية من أموال الزكاة والصدقات على الأسر المعوزة من الفئات التي تنطبق عليهم مصارف الزكاة والصدقات، خاصة الفقراء والمساكين والأيتام والأرامل والمعاقين وجرحى الحرب وطلاب الجامعات، إلى جانب تنفيذ مشاريع الإغاثة، ودعم الأسر الفقيرة والمستشفيات، وتنفيذ مخيمات إيواء المتضررين والمشردين، وتسيير قوافل الخير، وبناء المساجد ومراكز تحفيظ القرآن، وحفر الآبار وإنشاء المراكز الحرفية والتعليمية والطبية والاجتماعية، وتنفيذ المشاريع الموسمية والتنموية.
  2. تضمنت المساعدات الخيرية والمادية لقطاع غزة من تلك الدول والمنظمات القيام بزيارات تضامنية إليه، لتفقد آثار الحصار والحرب على القطاع، والاطلاع على الأضرار التي لحقت به.
  3. شكل أسطول الحرية الذي كان يفترض الوصول إلى شواطئ قطاع غزة، ذروة المساعدات والدعم الموجه نحو القطاع، ذلك أنه بما يمثله بمن على متنه من المتضامنين القادمين من 50 دولة يعبر عن وجود وقفة كبيرة من قبل تلك الدول، ومؤسساتها غير الحكومية، مع العلم أن تركيا تعد الجهة الأساسية وراء الدعوة لفك الحصار عن غزة، وتقود تحركات إستراتيجية في المنطقة من أجل ذلك.([8])
  4. ساهمت الكويت بمساعدات وازنة في قطاع غزة، من خلال حكومتها ومؤسساتها الخيرية، لاسيما جمعية الرحمة العالمية، التي قدمت مساهمات لافتة في ملف تدعيم وتأهيل المباني المتضررة جزئياً بعد الحرب.
  5. نفذت منظمة المؤتمر الإسلامي بواسطة البنك الإسلامي للتنمية في غزة مجموعة من المشروعات الممولة، اتسمت بكونها مشروعات إستراتيجية نوعية، تهدف لإعادة تأهيل الإنسان الفلسطيني، وتهيئة مناطق إقامته، ليتجاوز مرحلة تلقى المساعدات إلى الاكتفاء والإنتاج، ومنها المشروعات الاقتصادية الصغيرة للنساء وتقديم القرض الحسن، التي تعد حاجة ملحة وحقيقية للنساء والشباب في غزة، لدمجهم وإشراكهم في عملية التنمية بشكل كامل.
  6. شكل "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"، واجهة جديدة في توجيه الدعم والمساعدات لقطاع غزة، وهو إطار يجمع عدداً كبيراً من العلماء ورجال الدين، برئاسة الشيخ يوسف القرضاوي، ومقره الأساسي في قطر، لكنه يمتلك شبكة من العلاقات والترتيبات والتنسيقات مع عدد كبير من منظمات المجتمع المدني في العديد من دول العالم العربي والإسلامي، بما في ذلك منظمات الأمم المتحدة وهيئات الإغاثة الإنسانية العالمية، والتنسيق مع الحملة العالمية الأوربية لفك الحصار، والمؤسسات التابعة لها في هولندا وبريطانيا.([9])

وقد أرسل الاتحاد آلاف الأطنان من المواد التي يحتاجها أهل غزة، من خلال اتصالات مكثفة تتم للتعرف على المواد المسموح بإدخالها للقطاع المحاصر، والتعرف على أكثر المواد حاجة لدى أهل غزة.

  • ثالثاً: الدلالات السياسية للدعم

يؤكد ما تقدم أن الدول المانحة ليست جمعيات خيرية، بل هي مصالح ووظائف سياسية لما تقدمه من أموال، ما يعني أنها أموال سياسية لها وظيفة سياسية محددة تسبق وظيفتها الاقتصادية والاجتماعية، ما يعني أن السياسة، كما تمارس فعلاً هي فعل ميكيافيلي وليس أخلاقي، رغم كل إدعاءات السياسيين بأنها غير ذلك.

ويمكن المجازفة في ضوء ما تقدم، باستنتاج فرضيتين:

  1. استحالة الفصل بين المساعدات، وآليات تقديمها، وبين إطارها السياسي الناظم،
  2.  من وجه الأمور كي تقدم الدول المانحة وعوداً بتبرعات سخية لإعادة إعمار غزة، ودعم مالية الحكومة الفلسطينية، بل يتوقع الحصول على نتائج سياسية سخية فيما يتعلق بالرؤية والممارسة العملية.
  3. سعت الدول الداعمة لغزة، لاسيما قطر وتركيا، لتسهيل إجراءات تحويل أموال الإعانات، في ضوء الحظر الدولي المفروض على آلية التحويلات للقطاع.
  4. فتح المجال أمام طلبة قطاع غزة للحصول على منح دراسية للتعليم العالي والدراسات العليا في الجامعات التركية والماليزية.

وربما هذا ما دفع بحماس لأن ترى في استبعاد حكومتها عن مؤتمر شرم الشيخ لإعادة إعمار غزة انحيازاً لأطراف فلسطينية، وتسييساً للمؤتمر الإنساني"، رغم تأكيدها أنه لا غنى عن دور لها في الإعمار، مؤكداً أن المؤتمر توجه للعنوان الخطأ حين دعا حكومة رام الله، معتبرة أنها ليست الحكومة التي تمثل العنوان الصحيح، وتمثل الغالبية بالمجلس التشريعي".

أكثر من ذلك، فإن تمويل قطاع غزة، والمساعدات المقدمة للسكان هناك، ليست عملية إنسانية وأخلاقية يقوم بها فاعلو خير لا يبتغون شيئاً، إنها عملية سياسية ومنظمة تتم وفقاً لميزان القوى القائم، ومقدار أوراق الضغط والصمود التي يمتلكها كل طرف في لعبة عض الأصابع المتبادلة، يشارك فيها أكثر من فريق دولي وعربي وفلسطيني، لكل طرف أوراقه وأهدافه.([10])

ومع ذلك، فإن قراءة فاحصة لطبيعة وحجم وأوجه الدعم الإقليمي المقدم لقطاع غزة بين عامي 2006-2011، يشير إلى الدلالات التالية:

1- ليس من شك في أن دعم غزة مالياً وإنسانياً، منح الدول المقدمة له، لاسيما تركيا وقطر، فرصة لأن تكون لاعباً رئيساً في منطقة الشرق الأوسط بشكل جلي، ما يعني أن تحركاتها تجاه الحصار الإسرائيلي للقطاع، وموقفها المعادي منه لم يأت وليد اللحظة، ولا انفعالاً عاطفياً، بل جاء في تسلسل منطقي يعبر عن سياسة جديدة لها تجاه المنطقة، ورأت أن حصار غزة هو ظالم لا يستند لمشروعية قانونية أو أخلاقية، ومع ذلك فلا بأس من "توظيفه" سياسياً.

2- كثير من الدول العربية والأنظمة الرسمية، لم تقم بواجبها ودورها لرفع الحصار عن غزة بشكل نهائي، في حين أن الموقف الشعبي فيها بدا أكثر فاعلية، لأنه نتج عنه تأسيس منظمات متخصصة، وتسيير قوافل شريان الحياة، أو أسطول الحرية لكسر الحصار عن غزة.

3- تعكس المواقف التركية والقطرية توجهاً جديداً من رفع الحصار عن غزة، سواء في إطار البحث عن دور إقليمي أو دولي جديد، أو في إطار التضامن مع الشعب الفلسطيني.

4- ملاحظة ثمة تطابق تام بين موقف الحكومتين التركية والقطرية، والشعب فيهما، تجاه القضية الفلسطينية وحصار غزة، مع العلم أن زعماء الدولتين أعلنا في غير مناسبة أنهما يدعمان كل الشعب الفلسطيني في غزة، لكن مشكلة إسرائيل تعتبر أن من يدعمه فهو يدعم حماس، والدولتان تقران بأن حماس وصلت إلى السلطة في الضفة وغزة عن طريق الانتخابات، ولذلك فهي حكومة شرعية، حتى لو دعماها، فإنهم يدعمون حكومة شرعية.([11])

ولعل ذلك ما دفع بالقيادات السياسية والحزبية الفلسطينية في غزة، للتأكيد على شكر قطر وتركيا وباقي الدول المساهمة في رفع الحصار عن غزة، قيادة وحكومة وشعباً ومؤسسات خيرية على جهودها في دعم قطاع غزة، وأن القيادات التي وصفوها بــ"الحكيمة"، لم ‏تترك مكاناً إلا ووضعت بصماتها الخيرة فيه، والجمعيات الخيرية فيها لها دور مهم ومميز في التخفيف عن ‏الشعب الفلسطيني من وطأة الحصار.

في حين ألمح وزير في حكومة حماس في إشارة لها مدلول في غاية الأهمية حين قال: إن الدعم القطري لقطاع غزة وللشعب الفلسطيني مستمر دون توقف، وإنه دعم "بلا اشتراطات"، وأن قطر تشكل دائماً الداعم السياسي والمادي ‏للشعب الفلسطيني وللمشاريع الإنسانية والخيرية في قطاع غزة الذي يعاني حصاراً مشدداً أنهك كل مناحي ‏الحياة فيه.‏

وأشاروا إلى أن الأشقاء القطريين عودونا لأن يكونوا أول مساهم في مشاريعنا الخيرية، ويقفوا بجانبنا، ولا يقتصر دعمهم الخيري على المشاريع الصحية فحسب، بل يتعداه إلى كل ما يحتاجه الشعب ‏ في غزة تحديداً في ظل الحصار المفروض عليهم، وأن الدعم القطري لقطاع غزة دليل على ‏حكمة وعظمة القطريين أميراً وحكومة وشعباً.

  • الاستنتاجات والتوصيات

بات واضحاً أن الدعم المالي والمساعدات الاقتصادية المقدمة لقطاع غزة، من قبل الداعمين الإقليميين، لاسيما قطر وتركيا، تحظى بنصيب وافر من مجمل المساعدات الدولية والعالمية، الأمر الذي يعتبر من جهة بوابة أساسية ومجدية في التخفيف من آثار الحصار الإسرائيلي، ومن جهة أخرى نافذة سياسية لهؤلاء الداعمين نحو بقعة جغرافية لها دلالات لا تجهلها عين صناع القرار في المنطقة.

ولذلك، فإن هذه الورقة تختم استعراضها لهذه المساعدات بتقديم جملة من التوصيات الهامة ذات العلاقة، ومن أهمها:

  1. فتح المجال لتنمية وزيادة هذه المساعدات، على اختلاف مجالاتها وفي جميع الأصعدة، بما يحقق تنمية حقيقية في قطاع غزة، وتخفيفاً جاداً من تبعات الحصار،
  2. توجيه هذه المساعدات الإقليمية نحو مجالات ومرافق أخرى لم تشملها في السنوات السابقة، بحيث يتم توسيع رقعة المستفيدين منها، سكاناً كانوا أو بنى أو قطاعات،
  3. الحرص قدر الإمكان على أن يكون للمستفيدين من هذه المساعدات في قطاع غزة، سواء كانوا من المواطنين العاديين أو الجهات الرسمية والمنظمات غير  الحكومية، دور ومجال في اختيار القطاعات المحددة لهذه المساعدات، وعدم الاكتفاء بدور المتلقي "السلبي" كما درجت عليه العادة في السنوات السابقة من خلال التجربة مع السلطة الفلسطينية والمانحين الدوليين.
  • خاتمة

تؤكد القراءة السابقة أن الاقتصاد الفلسطيني في غزة، كما نظيره في الضفة، يعتمد إلى حد كبير على المساعدات الإقليمية والإسلامية، ما يتطلب البحث بجدية عن السبل للحد منها، ليس زهداً فيها، ولكن خشية الاتكال عليها كلياً، لاسيما إذا أدركنا بصورة واضحة أن تلك المساعدات قد تشكل مقدمة للوقوع في "فخ" مقدميها، حتى لو أعلنوا أنها غير مشروطة، في غالب الأحيان، وخوفاً من عدم دخولها إلى قنوات تنموية حقيقية في الاستثمار في إطار الاقتصاد الفلسطيني، ما يستلزم من صناع القرار في غزة للعمل على تهيئة الظروف لعودة رؤوس الأموال المهاجرة، المقدرة بنحو 60 مليار دولار لتوطينها في البلد الأم، وفتح استثمارات وطنية.

 

ملحق إحصائي ببعض المساعدات الإقليمية الموجهة لقطاع غزة

  1. المعونات الكويتية المقدمة لقطاع غزة حتى نهاية 2010
    المبالغ بالألف دينار كويتي، كل دينار يعادل 3.6 دولار أمريكي

المشروع

القطاع

المبلغ الصافي

تغطية جزء من تكاليف إزالة آثار الدمار الذي حل بقطاع غزة من جراء العدوان الإسرائيلي

أنشطة وقطاعات أخرى

2,900

جمعية أصدقاء المريض في غزة

الخدمات الاجتماعية

100

الجمعية الوطنية لتأهيل المعاقين في غزة

الخدمات الاجتماعية

50

معهد الأمل للأيتام في غزة

الخدمات الاجتماعية

30

مركز الزيتون الاجتماعي في غزة

الخدمات الاجتماعية

49

جمعية الوفاء لرعاية المسنين في غزة

الخدمات الاجتماعية

60

مركز النمو التربوي لحي التفاح في غزة

الخدمات الاجتماعية

20

مدرسة النصر الإسلامية النموذجية في غزة

الخدمات الاجتماعية

59

جمعية أصدقاء الكفيف في غزة

الخدمات الاجتماعية

15

الجمعية الأهلية لتنمية الطفل المعاق جسديا

الخدمات الاجتماعية

25

جمعية مبرة الرحمة للأطفال في غزة

الخدمات الاجتماعية

15

مركز تنمية الطفل ومركز تأهيل أطفال الشلل الدماغي(الهيئة الخيرية لقطاع غزة(

الخدمات الاجتماعية

67

كلية العلوم والتكنولوجيا - خان يونس

الخدمات الاجتماعية

145

الاتحاد النسائي الفلسطيني في غزة

الخدمات الاجتماعية

150

بناء وحدات سكنية في مدينة رفح الفلسطينية

الخدمات الاجتماعية

280

جمعية رعاية الأطفال المعوقين في قطاع غزة

الخدمات الاجتماعية

150

إنشاء وتجهيز مراكز طبية في قطاع غزة جمعية أصدقاء المريض في غزة

الخدمات الاجتماعية

100

دعم جمعية أصدقاء المريض في غزة

الخدمات الاجتماعية

100

المجموع التقريبي

 
  1.  

                                

 

 

  1. المعونات القطرية المقدمة لقطاع غزة حتى نهاية 2010

المبالغ بالدولار الأمريكي

المشروع

 

المستفيدون

 

ميزانية المشروع

مساعدات غذائية عاجلة

مئات الأسر

958.900 دولار

توفير 8 سيارات إسعاف

قطاع الصحة

610.960 دولار

تقديم الدعم المالي والنفسي للجرحى لمدة ثلاث شهور

250 جريح فلسطيني

75.000 دولار

أطراف صناعية وأجهزة تعويضية

22 جريحاً فلسطينياً

23.946 دولار

عمليات جراحية لجرحى غزة

20 جريحاً فلسطينياً

19.850 دولار

3 آلاف حقيبة صحية،

3 آلاف عدد مطبخية،

3 آلاف جيركن مياه، 300 خيمة

200 أسرة متضررة

225.000 دولار

مولدات كهربائية لمستشفيات غزة

قطاع الصحة

192.227 دولار

معدات وأجهزة طبية

قطاع الصحة

280.820 دولار

 

[1]) د.حسين أبو النمل، الاقتصاد السياسي لمشروع إعادة إعمار قطاع غزة، ورقة مقدمة لمركز الزيتونة-بيروت.

2) جريدة الأيام، 2/3/2009.

3) جريدة الشرق الأوسط، 22/1/2009.

4) جريدة القدس، 1/3/2009.

5) الجزيرة نت، 3/3/2010.

6) الحياة اللندنية، 24/1/2009.

7) تقرير صادر عن الهلال الأحمر التركي لعام 2009-2010.

8) قناة الجزيرة، 18/11/2010.

9) الأهرام القاهرية، 13/9/2010.

10) مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 23/4/2009.

11) العرب القطرية، 27/8/2011.

 

المصدر بال ثينك

http://www.palthink.org
/wp-content/uploads/2012/11/Dr-Adnan-Amer.pdf

المصدر معا نيوز

http://www.maannews.net/
Content.aspx?id=434530