حركة الجهاد الإسلامي النشأة والتطور والمواقف السياسية        

  • الثلاثاء 16 يناير 2018 02:18 ص

 

حركة الجهاد الإسلامي

          النشأة والتطور والمواقف السياسية        

 

تبرز الكثير من التساؤلات والاستفسارات حول طبيعة نشأة حركة الجهاد الإسلامي، لاسيما في ظل توقيت حرج صعب عاشته القضية الفلسطينية، بالتزامن مع توقيع أول اتفاقية تسوية بين العرب وإسرائيل، عبر معاهدة "كامب ديفيد" عام 1979.

فمع بروز المقاومة الفلسطينية على الساحة الأردنية، وبعد عدوان حزيران يونيو 1967 بقليل، ودخول التيار الوطني العلماني ميدان الصراع الوطني تحت مظلة حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، أثار غياب الحركة الإسلامية عن القضية الفلسطينية جملة من التساؤلات الحادة لدى بعض الشباب الفلسطيني المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، انتهت بهم إلى التقائهم "حول قناعة محددة تمثلت بوجود نقاط ضعف في المشروع الوطني الفلسطيني، تتركز حول الأيديولوجية السياسية الوطنية التي استبعدت الإسلام من محتواها الفكري".([1])

في الوقت نفسه، أدرك هؤلاء إشكالية الحركة الإسلامية التقليدية التي كانت غائبة عن المسألة الفلسطينية طيلة سنوات الخمسينات والستينات والسبعينات.

وهكذا جاء تأسيس الحركة في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات أول محاولة حديثة لإعادة الوحدة بين مات يعرف بـ"الديني والسياسي والوطني" على الساحة الفلسطينية، منذ أن غابت تلك الوحدة عام 1948، وأول تنظيم خارج إطار الوطنية الفلسطينية يضع مقاومة الاحتلال على رأس أهدافه.

 

  • أولا: عوامل نشأة الجهاد

هناك العديد من المؤثرات والعوامل المحيطة التي رافقت نشوء الجهاد الإسلامي، سواء في الساحة الإقليمية أو الفلسطينية التي سارعت في تبلورها، وإنضاج معالم أيديولوجيتها الكفاحية، وهويتها الوطنية.

فمع هزيمة عام 1967، وانكشاف الخطر الثقافي والحضاري الشامل الذي مثلته إسرائيل، ليس على أرض فلسطين وشعبها فقط، وإنما على الأمة العربية جميعا، ومع وضوح التحالف الاستراتيجي التام بين الحركة الصهيونية والغرب في هجمتهم على الأمة، بدأ يتبلور ذلك الفهم الذي يعطي للصراع على فلسطين مكانته الواقعية، حيث مثل الوجود اليهودي الصهيوني في فلسطين أوج التحدي الغربي السياسي للأمتين العربية والإسلامية.([2])

وبالتالي شهدت هذه المرحلة التي أعقبت هزيمة العرب النكراء، تصاعدا ملحوظا للحركة الإسلامية في فلسطين، ممثلة بجماعة الإخوان المسلمين، ويمكن حصر أسباب المد الإسلامي الذي أسفر في النهاية عن ميلاد حركتي حماس والجهاد الإسلامي، في النواحي التالية:

  1. هزيمة حزيران يونيو 1967

شكلت هزيمة السادس من حزيران يونيو 1967، بالنسبة للفلسطينيين خاصة وللعرب عامة، بمثابة الصدمة التي لم يستطيعوا استيعابها في الفترة الأولى، بل إنها كانت مفاجئة أكثر من هزيمة 1948، نظرا لأن الأجواء التي سادت أثناء الحرب الأولى كانت مهيأة لهزيمة العرب .

وقد استوعب كثير من المثقفين العرب تلك الهزيمة لسببين هامين:

  • طبيعة الأنظمة العربية السائدة في تلك الفترة،
  • الوضع العالمي الذي كانت تسيطر عليه الدول الاستعمارية.

وبينما كانت الشعوب العربية تعيش قبل عام 1967 نشوة المد القومي الناصري، وتعتقد أن مسألة الانتصار على إسرائيل غير قابلة للشك، جاءت مفاجأة 1967 قاصمة.

ومع وقوع الهزيمة، توضح مؤشر هام تمثل في فشل النظم العربية في مواجهة إسرائيل، وبالتالي فقد أعقب الهزيمة مباشرة، عودة التأثير إلى دائرة الساحة الفلسطينية، وبدء صحوة إسلامية جديدة فيها، وخاصة في قطاع غزة، الذي اعتبر الإسلاميون فيه أن الهزيمة جاءت تتويجا لهزيمة الفكر القومي.

وكانت هذه الهزيمة الكارثة التي قصمت ظهور من وصفوا في كتابات الإسلاميين بـ" الدجالين من دعاة التحرر والثورية، والأبطال المزيفين الذين أذلوا شعوبهم، وطاردوا دعاة الإسلام، وزجوا بالشباب الطاهر المسلم في المعتقلات، وحاربوا كل دعوة إسلامية مخلصة، وشجعوا الفساد والانحراف الفكري والسلوكي والأفكار المستوردة، فكانت الهزيمة نتيجة طبيعية لهذا السقوط، وعقوبة ربانية للأدعياء الطغاة ".([3])

 

2- التأثر بالمد الإخواني في مصر

من خلال الشباب الفلسطيني الذين درسوا في الجامعات المصرية في سنوات السبعينات، إثر إفراج الرئيس المصري أنور السادات عن قادة الإخوان المسلمين من السجون والمعتقلات، حيث عاد هؤلاء الطلبة بعد أن تخرجوا أطباء ومهندسين إلى قطاع غزة ليقوموا بالدعوة على غرار ما عايشوا في مصر، لذلك سنجد عددا من قادة حركة الجهاد الإسلامي في غزة من خريجي الجامعات المصرية.

وقد استمر تدفق الطلاب الفلسطينيين على مصر حتى نهاية السبعينات، وتحول الوضع الإسلامي الفلسطيني في مصر تدريجيا إلى موقع تنظيمي بالغ الأهمية، لعدة عوامل منها:

  • تراخي قبضة الدولة المصرية عن البلاد بشكل نسبي، منذ ما بعد حرب أكتوبر 1973،
  • بدت أجواء مصر أكثر ليبرالية مما كانت عليه في أية مرحلة سابقة منذ عام 1954،
  • إطلاق سراح الآلاف من عناصر جماعة الإخوان المسلمين المعتقلين.

وقد ساعدت تلك العوامل وغيرها على إعادة الحيوية لمصر، الأمر الذي أرخى بظلاله على التنظيمات الإسلامية الفلسطينية أيضا.([4])

3- أثر الطفرة النفطية

تأثر الفلسطينيون بالحالة الدينية في دول الخليج العربي من خلال عشرات الآلاف من أبنائهم الذين ذهبوا هناك، حيث يتمتع الدين هناك بوضع قوي كقانون وثقافة وقيم، وكان تأثير الخليج من خلال المساعدات المالية الحكومية والشعبية التي تدفقت على الأراضي الفلسطينية، خاصة بعد حرب أكتوبر 1973.

كما ليس خافيا أن بعض دول الخليج وخاصة السعودية، تدعم العديد من النشاطات الإسلامية في فلسطين سواء بناء المساجد، أو مساعدة الجمعيات الإسلامية، ولجان الزكاة.([5])

4- الثورة الإسلامية في إيران

ساهمت الثورة الإيرانية من خلال شعاراتها الإسلامية، والدور القيادي لعلماء الدين فيها، في إعطاء دفعة قوية للعمل السياسي الإسلامي في فلسطين، حيث أثبتت للمرة الأولى الإمكانية الفعلية لوصول الجماهير المؤمنة إلى السلطة بواسطة الثورة الشعبية، وبالتالي لم يكن تأثيرها منحصرا فقط في الأهمية الإستراتيجية لإيران، لكنها أثرت على شكل وإستراتيجية العمل السياسي الإسلامي، وواقعية طموحه.([6])

 

5- انحسار نفوذ منظمة التحرير

كان لحرب عام 1982 وغزو لبنان من قبل الاحتلال الإسرائيلي، تأثير سلبي على منظمة التحرير الفلسطينية بفصائلها المختلفة لسببين:

  • خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان،
  • الانشقاق الذي حدث في صفوف حركة فتح.

ومما ساهم في انحسار نفوذ منظمة التحرير، ما أعطته التجربة اللبنانية في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وما صاحبها من عمليات فدائية بطولية ضد الجيش الإسرائيلي وقوات المارينز الأمريكية، وبالتالي أعطى دفعة قوية للتيار الإسلامي في فلسطين، كما عانت الفصائل الوطنية المختلفة الكثير من المشاكل والعقبات التي تكدست أمامها، وحالت دون تحقيقها للشعارات التي رفعتها، لعدة أسباب:

  • التردد الكبير والتغييرات الجذرية التي حدثت على شعاراتها، من تحرير كامل التراب الفلسطيني وإقامة الدولة العلمانية، إلى تأسيس دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، إلى الاتحاد الكونفدرالي مع الأردن.
  • التخلي عن تبني الكفاح المسلح طريقا وحيدا لتحرير فلسطين، إلى جعله أمرا هاما يسير جنبا إلى جنب مع العمل السياسي، إلى اعتماد الأخير خيارا وحيدا.

كل ذلك أوقع الشباب الفلسطيني داخل الأرض المحتلة وخارجها في اضطراب وخيبة أمل، وجعلت الكثيرين منهم يجدون في ثبات شعارات الحركة الإسلامية ملجأ لهم.([7])

6- التعصب الديني اليهودي

بات كثير من الفلسطينيين مقتنعين بأن الصراع مع إسرائيل هو صراع ديني بالأساس، وأن السر الكامن وراء نجاح الإسرائيليين هو تمسكهم بدينهم، مما يجعلهم يعتقدون أن الاحتلال الإسرائيلي ليس تهديدا للأرض فقط، بل للهوية الوطنية والثقافية التي يشكل الإسلام عمودها الفقري، وكلما زاد الإسرائيليون في تطرفهم الديني اليهودي، كان ذلك داعيا للفلسطينيين للعودة إلى الأصول الإسلامية، والتمسك بها أكثر.

عموما، فقد استفاد الإسلاميون الفلسطينيون من تزايد تأثير الصحوة الإسلامية في العالم العربي تحديدا، والعالم الإسلامي عامة، حيث بدأ المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال يميل نحو المحافظة تلقائيا، فهو مجتمع أغلبيته العظمى إسلامية، ويتأثر بالمناخ الإسلامي العام المحيط به.

ومن المؤشرات المرافقة لهذا التحول المتدرج والمستمر، ازدياد عدد المساجد والمصلين ازديادا ملحوظا، وازدياد الالتزام ببعض المظاهر، كارتداء الأزياء الإسلامية من قبل عدد متصاعد من النساء، وإطلاق اللحى من قبل الرجال.([8])

وهكذا، وعلى خلفية هذه العوامل المشار إليها آنفا، تبلور مشروع حركة الجهاد الإسلامي عبر الحوار الموسع الذي دار بين أولئك المؤسسين من الطلبة الفلسطينيين الذي تابعوا دراستهم الجامعية في مصر، وانتهوا إلى حل سؤالهم/ الإشكالية في تحديد هويتهم، والإجابة على سؤال الواقع الوطني في وجود "وطنيين بلا إسلام، وإسلاميين بلا فلسطين".

واعتبروا أن حركتهم جاءت حلا لهذا السؤال/ المشكل، عبر كشف الأبعاد القرآنية والتاريخية والواقعية للمسألة الفلسطينية، وتبني شعار استراتيجي مفاده أن "القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للحركة الإسلامية/ للأمة الإسلامية.([9])

 

  • ثانيا: البدايات التنظيمية الأولى للجهاد الإسلامي

تشير بعض المصادر إلى أن تأسيس حركة الجهاد الإسلامي جاء عبر طريقين:

  1. الطريق المدني: عن طريق الطلبة الفلسطينيين، وبالتحديد الغزيين منهم، الذين درسوا في الجامعات المصرية، وعادوا متأثرين بحركة الجهاد الإسلامي المصرية،
  2. الطريق العسكري: عن طريق أفراد قوات التحرير التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية.

وقد انطلقت حركة الجهاد الإسلامي جغرافيا من قطاع غزة، مما يؤكد تأثير النموذج المصري عليها، من حيث تقليدها لتنظيم الجهاد المصري، ودور الطلبة الفلسطينيين في مصر في تأسيسها، مثلها في ذلك مثل الكثير من الحركات السياسية في الأراضي المحتلة، التي ارتكزت على صفوف الطلبة الجامعيين في غزة، وبصورة أقل في الضفة الغربية.

وما فتئت الحركة في أدبياتها، وعلى لسان قادتها، تفسر سبب نشوئها وانطلاقتها في اتجاهين اثنين:

  1. السعي لتقديم الإجابة الإسلامية على السؤال الوطني الفلسطيني، وضمن هذا الاتجاه يتم تعريفها عادة بحركة إسلامية مقاتلة،
  2. تمثلها كقوة تجديدية وتثويرية وتنويرية داخل العمل الفلسطيني، والحركة الإسلامية المعاصرة، سواء في الفكر أو الممارسة.([10])

تاريخيا، كان الحوار الفكري والسياسي المشار إليه آنفا خلال سنوات السبعينات، في أوساط بعض الشباب الفلسطيني أثناء دراستهم الجامعية في مصر، يتحول إلى مناخ سياسي انبثقت عنه نواة تنظيمية تأسيسية قادها الدكتور فتحي الشقاقي، الذي دخل مصر طالبا عام 1974، واستمر فيها حتى العام 1981.

وشكلت محافظة الزقازيق حاضنة النواة الأولى لتنظيم الجهاد، الذي انتقل في سنوات قليلة إلى باقي المحافظات ذات الوجود الطلابي الفلسطيني، وأهمها القاهرة والإسكندرية.

ورغم أن تأثير الشقاقي كان واضحا بدون منازع في تأسيس الجهاد، إلا أن هناك فئات أحاطت بالرجل لحظة التأسيس، والفئات هي:

  • تيار حسم خياره مع خيار الجهاد الذي كان ينظر له الشقاقي،
  • تيار بقي داخل تنظيم الإخوان المسلمين، إلا أنه شاطر الشقاقي وشاركه آراءه، وقد خرج لاحقا، والتحق بالتنظيم الوليد،
  • تيار الإخوان المسلمين الرسمي الذي بقي متشككا في نشاط الشقاقي، ويناصبه التضييق وصرف الشباب من حوله.

وقد ضمت النواة الأولى من تنظيم الجهاد الإسلامي ستين كادرا سياسيا، عرف في بداية الأمر باسم "الطلائع الإسلامية"، وعرف بنفسه ورسالته كـ"قوة تجديد داخل الفكر الإسلامي، وداخل الحركة الإسلامية، على مستوى الفكرة والمنهج والتنظيم، وعلى مستوى الأداء داخل فلسطين".

وامتاز أغلب أعضاء التنظيم بالعناصر الشابة الأكثر استعدادا لمواكبة تيار جديد يقوم على الوعي والمنافسة والمتابعة والعمل والتضحية، حيث يجري إعدادهم عقائديا ودينيا، وهم في غالبيتهم ينحدرون من أصول اجتماعية فقيرة، ويتواجدون في الأحياء الشعبية ومخيمات اللاجئين.

ويتمتع غالبيتهم بحس نضالي كبير، معتبرين أنفسهم طليعة الحركة الإسلامية، طليعة الوعي والثورة، التي يقع على عاتقها النهوض بالمشروع الإسلامي المعاصر، وريادته إلى مزيد من التقدم.([11])

ولوحظ أن أغلب عناصر التنظيم كانوا ممن يدرسون في الكليات العلمية التطبيقية، إذ بلغوا 70%، في حين أن الكليات النظرية (آداب وتربية) بلغت 26%، وقد تعرض التنظيم لحملة اعتقالات شملت محافظات القاهرة والإسكندرية والزقازيق، ووصل عدد المعتقلين إلى 39 طالبا فلسطينيا عدا المصريين، حيث تكشف التنظيم عن بنية دقيقة تتوزع إلى أسر وخلايا، لكل أسرة أمير، ولكل محافظة مسئول.

ومن أبرز الأعضاء النشيطين تنظيميا، ولعبوا أدوارا سياسية وثقافية بارزة في التجربة الحركية للجهاد الإسلامي داخل فلسطين بعد عودتهم من مصر، إضافة للشقاقي كلا من: إبراهيم معمر، نافذ عزام، عبد الله الشامي، محمد الهندي، جميل عليان، تيسير الغوطي، أحمد شاكر.

وكان من أهم المنظرين الذين ساهموا في وضع المرتكزات الفكرية، وكتابة الدراسات والمقالات المختلفة، إضافة إلى الشقاقي الذي اعتبر القائد المؤدلج والتفسيري لإيديولوجيا الجهاد، كلا من أحمد صادق الذي أشرف على مركز دراسات المختار الإسلامي، وساهم معه في كتابة العديد من الملفات السياسية والتاريخية، إضافة إلى كتاباته المستقلة وأهمها دراسة "على أبواب القرن الخامس عشر الهجري" التي نشرت على حلقات في مجلة المختار.

إضافة للدكتور رمضان شلح، الأمين العام الحالي للحركة، الذي أشرف على إصدار النشرة الداخلية للتنظيم المسماة بـ"التغيير"، وكتب بعض الدراسات الداخلية كدراسته عن منهج الإخوان المسلمين، تجاه العديد من القضايا، وسميت بـ"وقفات مع الأستاذ عمر التلمساني"، واهتم ثلاثتهم بكتابة ونشر القصائد الشعرية، والمقطوعات الأدبية.

وإذا كانت المرحلة المصرية من عمر الجهاد الإسلامي قد حددت الملامح الأيديولوجية والسياسية للتنظيم الوليد، فإنها وبالرغم من أهميتها في التأسيس النظري لمشروع الجهاد، تبقى مرحلة تمهيدية أعقبها التأسيس الحقيقي للحركة داخل فلسطين.

بعد عودة واستقرار النواة الأولى الطلابية التي تم تشكيلها في مصر إلى داخل فلسطين، وبدء نشاطها داخل الأرض المحتلة منذ العام 1979، لحق بهم الشقاقي في تشرين الثاني 1981 فارا من ملاحقة أجهزة الأمن المصرية له.

وقد شهدت هذه المرحلة من عمر الجهاد عملا جماهيريا وسياسيا وإعلاميا وتعبويا، ركزت فيه الحركة على الانتشار الفكري والدعوي، ومارست الدعوة في كافة الساحات والأماكن كالمساجد والبيوت والشوارع والمدارس والمعاهد والجمعيات والجامعات والمؤسسات النقابية.

واستطاعت تشكيل تيار جماهيري جهادي في الشارع الفلسطيني في فترة قياسية، وعاد بذلك النشاط السياسي الإسلامي إلى الضفة الغربية وقطاع غزة بعد غياب شبه تام، إذ اقتصر نشاط الفئات الإسلامية والتيارات المؤطرة سابقا على الجوانب الدينية والأخلاقية.([12])

وقد مرت هذه المرحلة التأسيسية للجهاد بأطوار ثلاثة هي:

  • التيار الفكري والسياسي الذي امتد بين عامي 1980-1983،
  • ممارسة العمل المسلح، وامتدت بين عامي 1984-1987 مع اشتعال الانتفاضة،
  • انتفاضة الحجارة، التي دخلت عبرها حركة الجهاد التاريخ الفلسطيني كرقم سياسي فاعل، يقتسم المجال الفلسطيني مع باقي القوى، وفي كافة مجالات المقاومة السياسية والعسكرية والفكرية وغيرها.([13])

وهكذا نشأت الحركة نتيجة لاقتناع قطاعات واسعة من الشباب بالعمل المسلح كحل للقضية، وبديل عن أي تسوية سلمية لا تحقق طموحهم السياسي بإقامة دولة حرة ذات سيادة؛ واعتمدت ممارسته ضد أهداف ومصالح الاحتلال، وإعداد وتنظيم الجماهير، واستقطابها لصفوفهم، وتأهيلها تأهيلا وفق منهج إسلامي لممارسة المقاومة المسلحة.([14])

 

ثالثا: التطور التنظيمي للجهاد الإسلامي

مع تطور الجهاد الإسلامي خلال العقود الثلاثة الماضية، اتخذت مجالات تنظيمية وشعبية متسعة، أفقية ورأسية، استطاعت من خلاله الوصول إلى قطاعات جماهيرية واسعة في الشارع الفلسطيني، منح الحركة حيزا ملحوظا في الأوساط السياسية الفلسطينية.

صحيح أن الجهاد لم تصل ما وصلته حركات سياسية، إسلامية ووطنية، انطلقت معها أو بعدها، لكن ذلك التوسع في قطاعاته المتعددة جعل عناصر الحركة يحجزون لأنفسهم مقعدا معقولا يناسب حجمهم التنظيمي في أوساط الفلسطينيين.([15])

 

وبالإمكان الحديث عن أبرز القطاعات التنظيمية للجهاد الإسلامي عبر المجالات التالية:

1- القطاع الطلابي

كان الجهاديون القاطنين في قطاع غزة الأكثر نشاطا ووعيا سياسيا في مجتمعهم، وعكست فعاليتهم حساسية أكبر وتعرضا أكثر لقوى التغيير الاجتماعي، من خلال قطاع الطلاب، أهم القطاعات التي ارتكز إليها التنظيم عند انطلاقته، وما زال.

علما بأن معظم أنصار الجهاد ينحدرون من أولئك الذين خاب أملهم في انتماءاتهم السابقة، سواء كانوا من الاتجاه الوطني القومي الذي تمثله منظمة التحرير الفلسطينية، أو من الماركسيين.

وبالتالي، تركزت آليات الانتشار الأولى في الأوساط الطلابية التي حملت عبء التبشير بأفكار الحركة، وقامت بدور المحرض لتعبئة قطاعات أوسع من الشعب في سبيل مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.([16])

وشكلت جامعات الأرض المحتلة في قطاع غزة والضفة الغربية الساحة الأبرز في فعاليات الحركة وأنشطتها، حيث دخلت انتخابات مجالس الطلبة في الجامعات منذ العام 1981، وحققت نسبا متفاوتة.

2- دور المساجد

كانت الأوقاف في قطاع غزة تابعة للحكم العسكري الإسرائيلي منذ عام 1967، حيث يشرف ضابط إسرائيلي على المساجد الحكومية، مما أدى لانتشار ما بات يعرف بـ"المساجد غير الحكومية"، أو المساجد الأهلية على الطريقة المصرية، وكان يتم فصل إمام المسجد الحكومي من عمله، إذا تدخل في السياسة بطريقة لا ترضي الإسرائيليين، بينما يبقى العاملون في المساجد الأهلية بمنأى عن تدخل الإسرائيليين المباشر، وقد أصبحت المساجد الأهلية في غزة، معاقل للإخوان المسلمين، ولاحقا انضم الجهاد الإسلامي للسيطرة على عدد منها.([17])

وبين العامي 1970-1988 سمح ببناء 140 مسجدا جديدا في قطاع غزة، بحيث وصل عددها إلى أكثر من ستمائة مسجد، فيما وصل العدد قبل الاحتلال الإسرائيلي إلى مائتين، وبصورة إجمالية فقد بني من المساجد في الأراضي الفلسطينية بعد عام 1967 أكثر من تلك المساجد التي بنيت فيها منذ فتحها المسلمون حتى ذلك التاريخ.([18])

ووصف الإسلاميون فترة ما بعد النكسة بين العامي 1967-1975، بأنها مرحلة المساجد، حيث هدفت إلى بناء المساجد، واستيعاب الجيل وتعبئته، ولملمة شتاته، وتأطير توجهه، وتركيز عقيدته، وتعميقها لمواجهة التيار الإسرائيلي.

وعلقت مجلة "التايمز" اللندنية على ظاهرة زيادة عدد المساجد بقولها: "إن السبب الرئيسي لزيادة عدد المساجد عما كانت عليه في بداية الاحتلال هو تنامي التيار الإسلامي، ومن مظاهر ذلك الأعداد الكبيرة من المسلمين الذين يأتون للصلاة في المسجد الأقصى، مع أنه لم يكن يؤدي الصلاة فيه سوى عدد قليل جدا من الرجال قبل عشرين عاما".([19])

وبالفعل، شكلت المساجد في قطاع غزة، رموزا حقيقية للهوية الدينية والاجتماعية، لجمهور كبير من المواطنين في هذه المنطقة، وقد عمل الإسلاميون، الإخوان والجهاديون على حد سواء، منذ بداية تحركهم، لتشكيل مراكز تجمع ونقاط انطلاق وملاجئ لهم، وللخلايا والحلقات التابعة لهم، وسعت الحركتان المحرومتان من التعبير السياسي العلني، إلى استخدام منابر المساجد ودور العبادة للتعبير عن آرائهما السياسية، كما أن هجمات المتطرفين اليهود على الأماكن المقدسة أدت إلى تقوية تعلق المواطنين بالمساجد ودور العبادة.

كما تسللوا إلى المساجد عبر إقامة علاقات طيبة من خلال الزيارات مع أئمة المساجد، وقام عناصرهم بحملات لجمع التبرعات وتنظيف المساجد في أيام الجمعة، وإصلاح ما يعطل من أجهزة فيها، بحيث يكونون جزءا لا يتجزأ من أسرته، ولا يستطيع الإمام الاستغناء عنهم.

وقد سيطر الإخوان والجهاديون وفقا للتقديرات، على نحو 40% من إجمالي المساجد في القطاع حتى عام 1987، وتنوعت طرق السيطرة عليها، كالمعونات المالية والتبرعات، وإقامة المكتبات فيها، ولم يكن للإدارة المدنية الإسرائيلية أية وسيلة للإشراف على نشاط المساجد أو توجيهها، وحسب تقريرها لعام 1985 أكدت أنه ليس لديها أية سيطرة عليها، وما يجري حولها.([20])

فيما تركز نشاط الجهاد في عدد من مساجد قطاع غزة أهمها: مسجد السلام في رفح، مسجد حسن البنا في مخيم الشاطئ، مسجد الرحمن في الشجاعية، مسجد القسام في بيت لاهيا.

وتعتقد سلطات الاحتلال أن المساجد تلعب دورا موازيا للدور الذي تلعبه الجامعات والسجون والمعتقلات، حيث يتم داخلها تجنيد الأفراد، وفي بعض الأحيان زعمت أن الإسلاميين الفلسطينيين استخدمت هذه المساجد في تأمين تخزين الأسلحة القتالية، نظرا لما يوفره طابعها الديني من خصوصية تبعد عنها الشبهات.([21])

وفي العام 1984، كتب المسئول الأمني الإسرائيلي "أمنون كوهين" تقريرا عن المساجد التي كانت تحت سيطرة الإسلاميين في غزة، في محاولة منه لإعاقة بنائها، ومقترحا حظر بناء أي مسجد جديد دون توصية من قيادة القطاع، وموافقة القاضي المحلي وممثلي الوقف، وتقديم طالب البناء طلبا بالتصريح من اللجنة المحلية، وقائمة بأسماء مجلس الإدارة، والعاملين بالمسجد لإجراء فحص أمني عليهم.([22])

وطيلة الوقت، لم يكن المسجد مكانا للعبادة فقط، بل تجري فيه معظم الأمور الاجتماعية تحت سقف الهالة الدينية، فالصلاة فيه، والاعتصام ضد المحتل بداخله، والإفطار الجماعي تحت قبته، وتوبة العميل بين رواده([23])، وجمع التبرعات وتوزيع الصدقات فيه.

وبالإمكان هنا إدراك حساسية المسجد عند الحركة الإسلامية، مما ميز الإسلاميين عن القوى السياسية الأخرى، بانفرادهم بمؤسسة المساجد، بحيث لم ينازعهم فيها أحد، فضلا عن أثرها الكبير في مجتمع أغلبيته من المسلمين كالمجتمع الفلسطيني.([24])

وبناء على ذلك، تعدى دور المسجد أكثر من كونه مكانا فقط للصلاة والعبادة:

  • بل أصبح مكانا لإقامة الندوات والاجتماعات التي تكون أحيانا بشكل دوري،
  • ومكانا لتحفيظ القرآن الكريم، حيث غالبا ما تتخذ دور القرآن من المساجد مقرات لها،
  •  ومكانا لإقامة الاحتفالات الدينية،
  • وغالبا ما يكون للمسجد مكتبته الخاصة،
  • ويكون له فريقه الرياضي الخاص، حيث تجري مباريات بين فرق المساجد تحت عنوان دوري المساجد،
  • وللمسجد مجلة حائط، وفيه توزع منشورات الاتجاهات الإسلامية، ومنها تعمم الأخبار التي تهم الجمهور، وعلى أبوابها تعلق الإعلانات الهامة،
  • دوره في تنظيم الزيارات الجماعية لمسجد الأقصى المبارك،
  • بروز ظاهرة الإفطارات الجماعية والاعتكافات في شهر رمضان، التي عمت الكثير من مساجد القطاع.([25])
  1. العمل الإعلامي

اهتمت حركة الجهاد منذ انطلاقتها الأولى بنشر المجلات والنشرات السياسية والثقافية، فحركت أجواء واسعة من الجدل السياسي والثقافي، من خلال حرصها على إصدار مجموعة من الكتيبات ضمن سلسلة "دفاتر إسلامية" وسلسلة "نحو طلائع إسلامية واعية".

كما أعادت الحركة طباعة كتب عدة لمفكرين إسلاميين مترافقا هذا النشاط النشري والإعلامي بالندوات الدينية، ودروس العلم والدعوة والتثقيف في المساجد والبيوت والجامعات.

ومن أهم نشرات الجهاد مجلة "الطليعة الإسلامية" التي قامت بدور المبشر بالدعوة الثورية الجديدة، وصدرت تحت مظلة ما سمي بـ"المركز الإسلامي للدراسات والنشر"، وصدر العدد التمهيدي منها في ديسمبر 1982، وكان يتم طباعتها شهريا وتوزيعها في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، وأخذ الاحتلال يطارد من يروجها ويقوم بتوزيعها، وجرى التعامل معها كمنشور سري يسجن من يوزعها ويروج لها.

واعتبرت المجلة لسان حال الجهاد الإسلامي، وبررت وجودها فقالت: "في السنوات الأخيرة تعددت القنوات الإعلامية التي تؤدي جميعها أدوارا هامة من أجل تقدم الحركة الإسلامية، لكننا نعتقد بجدارتنا من خلال وعينا بتاريخ أمتنا وتحولاته، وإدراكنا لما يجري في الواقع، وما يدور في صدور المحرومين من أبناء الأمة، وتميزت بجرأتها في طرح القضايا العربية والإسلامية، وتابعت أحوال المسلمين في العالم، وأفردت بابا بعنوان قضايا الوطن المحتل، عالجت من خلاله أوضاع الفلسطينيين تحت الاحتلال".([26])

كما قام التنظيم آنذاك بنشاطات تربوية وسياسية وإعلامية عديدة، إذ أصدر نشرة داخلية بعنوان "التغيير"، إضافة إلى بعض الكراسات الخاصة بقضايا الفكر والسياسة، سواء المتعلقة بالخلاف مع الإخوان المسلمين، أو شؤون القضية الفلسطينية، كما قام الجهاديون بإصدار مجلة بعنوان "الفرسان" ردا على مجلة الشيوعيين التي سميت بـ"الجياد".

كما شكلت مجلة "المختار الإسلامي" على مدار 27 شهرا، المنبر الإعلامي لأفكار وأطروحات حركة الجهاد في كافة قضايا الفكر والسياسة والجهاد.

وفي أواخر العام 1979 أصدر الشقاقي كتابه الأول "الخميني والحل الإسلامي والبديل" إثر انتصار الثورة الإسلامية في إيران، تأييدا لها ودعوة إلى التأسي بتجربتها، واعتقل إثر ذلك عدة أيام، ثم أعيد اعتقاله في العام نفسه في سجن القلعة المصري.

وعلى صعيد بيانات الجهاد، فقد أثرت سرية الحركة وظروفها السرية على وثائقها وبياناتها، فالحركة كانت –كغيرها من التنظيمات- شكلت هدفا رئيسا لضربات الاحتلال، مما ترك بصماته على بنيتها ووثائقها وبياناتها، ويلاحظ أنها أصدرت نحو 25 بيانا خلال انتفاضة الحجارة، مقابل 50 بيانا للقيادة الموحدة، و51 بيانا لحركة حماس، وامتازت بياناتها بعدة سمات أهمها:

1-  وزعت بأعداد قليلة نسبيا، وفي مناطق محددة جغرافيا،

2-  رغم قلتها، لم تجد معظمها طريقها للباحثين والإعلام، بعكس بيانات القوى الأخرى،

3-  تم توقيع معظمها وإصداره دون تاريخ، مكتفية بتحديد تاريخ الشهر والسنة فقط،

4-  غلبت عدة توقيعات على بياناتها، ومنها: حركة الجهاد الإسلامي، الجهاد الإسلامي، سرايا الجهاد الإسلامي، بيت المقدس، الجهاد الإسلامي في فلسطين، ولعل هذا يلقي الضوء على طبيعة التنظيم نفسه،

5-  لا يقتصر الاختلاف في البيانات على التوزيع فقط، بل توجد اختلافات رئيسة في شكلها من حيث الطباعة والورق والتنضيد والترويس، مما سهل على المخابرات الإسرائيلية مهمة توزيع بيانات مزورة استهدفت الحركة.([27])

وبالرغم من تركيز الجهاد الإسلامي على المعاني الإسلامية في شعاراتها، إلا أنها بحكم حجمها التنظيمي بقيت أقل كثيرا من نظيراتها، كما لم تحمل التنوع نفسه في الموضوعات التي تتطرق إليها، والتي ركزت في الأساس على أهمية المقاومة والحث عليها.

أما لغويا، فقد بقيت الحركة أقل نجاحا من غيرها، وبدت شعاراتها مبادرات فردية ومحلية، لا تخضع لتوجيه مركزي من قيادتها التي تعرضت لضربات قوية من الاحتلال الإسرائيلي.

وبلغ عدد النشرات والمجلات التابعة للجهاد الإسلامي 6 نشرات وهي: النور الإسلامي، الحقيقة، صوت المستضعفين، الطليعة الإسلامية، البيان، صوت الجماعة الإسلامية.

ومن الكتيبات التي نشرتها: القضية الفلسطينية قضية مركزية...لماذا؟ معركة بيروت: التجربة الفلسطينية من منظور إسلامي، فتح من الانطلاقة إلى البقاع، هل في الإسلام ثورة؟ مقال في المصطلح، المسيرة الإسلامية بين المد والجزر، ملامح الذات المنشودة.

وحاليا هناك جريدة "الاستقلال" التي تصدر في غزة منذ عام 1995، وتعتبر لسان حال الجهاد، وتصدر أسبوعيا، ولم تصل بعد درجة التوزيع الواسع في صفوف الفلسطينيين، بل تقتصر على أفراد الجهاد بصورة عامة.

  1. العمل المؤسسي

يلاحظ أن حركة الجهاد الإسلامي في بدايات التأسيس لم تهتم بتأسيس جمعيات أو مؤسسات ضمن آليات انتشارها، كدأب الإخوان المسلمين الذين نجحوا أيما نجاح في هذا المجال، بل إن الحركة نظرت بصورة سلبية للعمل المؤسساتي باعتباره "هروبا طوباويا" من الصراع الضروري داخل المجتمع، والمتمثل بالصراع ضد القوانين والنظم الجاهلية.

لكن الوقائع التاريخية تشير إلى تراجع الحركة عن هذا الموقف، ودخولها مجال العمل المؤسساتي، محاولة الاستفادة من إيجابياتها وفوائدها التي حصد الإخوان المسلمون ثمارها بعد عقود عديدة.

وبالتالي، فقد غلب على الحركة بروزها في العمل العسكري، الذي اعتادت ان تمارسه وتتقنه منذ انطلاقتها قبل حوالي عشرين عاما، بينما طيلة تلك السنوات لم تستطع ان تبني لها قاعدة سياسية وجماهيرية، حيث أخفقت في الحصول على أية مقاعد في الانتخابات البلدية.

علما بأن الحركة أعلنت أنها تسعى للقاء القوى الشعبية، الإسلامية والوطنية، العاملة على أرض المعركة ضد إسرائيل، على أرضية عدم الاعتراف بها، وبناء التشكيلات والمنظمات والمؤسسات الشعبية اللازمة لنهوض "العمل الإسلامي والثوري".

ولذلك، فقد أنشأت الحركة عدة مؤسسات خيرية، تمارس أنشطة جماهيرية وطلابية وخيرية، لكنها لم تتمكن من الوصول لمستوى يجعلها ذات طابع سياسي واجتماعي، كما هو الحال مع حركة حماس، وأبقت على سمتها كحركة عسكرية، وهو ما يدفعها إلى استمرار العمليات بين الحين والآخر لضمان وجودها.

وهكذا، اتخذت الجهاد الإسلامي كافة الوسائل التعليمية والتنظيمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية والسياسية والعسكرية، من أجل تحقيق أهداف الحركة.

 

رابعا: مراحل تعثر تنظيم الجهاد الإسلامي

لم يستمر الدور الريادي الذي مارسته حركة الجهاد الإسلامي طويلا، لأنه في بعض المراحل التاريخية بدأ يضعف رويدا رويدا، للعديد من الأسباب أهمها:

  1. الضربات المتتالية التي تعرضت لها الحركة من قبل السلطات الإسرائيلية، وحالت دون قيام الحركة بتحقيق المزيد من النفوذ المحسوس بين الجماهير، على الرغم من حالة التعاطف الواضحة التي حظيت بها،
  2. ضعف الوسائل التنظيمية الكفاحية بتوسيع أطرها، وتحسين أساليبها،
  3. إبعاد قيادات الحركة وكوادره بين الحين والآخر، مع ما تمثله من دور مركزي ومحوري في إدارة التنظيم، والإشراف على فعالياته المختلفة، وتأمين التواصل فيما بين أفراده وجماعاته المختلفة في المناطق كافة، مما نقل مركز الثقل القيادي إلى الخارج، مع صعوبة التواصل مع القيادات الميدانية الداخلية، وقواعد التنظيم التي بقيت تلاحق بشكل مستمر،
  4. وجود بعض القيادات التنظيمية الهامة للحركة في الخارج، أمثال رمضان عبد الله شلح، أحمد صادق، وآخرون،
  5. وجود العديد الكبير من القيادات التنظيمية داخل سجون الاحتلال، من ذوي التجربة في قيادة العمل النضالي، الأمر الذي تولته قيادة شابة أقل خبرة وكفاءة، مع صعوبة الاتصال بقيادتها المركزية في الخارج،
  6. التقدم الملحوظ والمطرد لحركة حماس على الساحة الجماهيرية والشعبية، خاصة مع دخولها على خط العمل العسكري، وتحقيقها إنجازات ميدانية ملموسة،
  7. طابع الحركة شبه السري المطلق، مما تركها في موضع متدن في إطار المنافسة مع قوى فلسطينية أخرى على مواقع النفوذ وتجنيد الأعضاء،
  8. حالة التدافع التنظيمي والخلافات الداخلية في الجسم الحركي للجهاد الإسلامي، وخروج عدد من قياداتها الأولى لتأسيس تنظيمات أخرى حملت ذات الاسم حينا، وأسماء أخرى حينا آخر.

وفي ظل هذه التعثرات، انتهجت الجهاد الإسلامي عدة خطوات لترميم قوتها، ومن أهمها:

  1. إعادة التنظيم والتمأسس، حيث عقد المؤتمر الحركي الأول في الخارج، وجرى فيه إقرار اللوائح الداخلية (النظام الأساسي للحركة)، وانتخاب مجلس شورى الحركة، مع تعريف وتحديد مؤسسات الحركة التنظيمية وأجهزتها، واختيار الدكتور فتحي الشقاقي أمينا عاما للحركة،
  2. انفتاح الحركة على عدد من الدول العربية والإسلامية على قاعدة الإجماع والتوافق على الموقف من القضية الفلسطينية، فتم إقامة العلاقات مع بعض الدول مثل ليبيا وسوريا والسودان، وتعزيز العلاقات مع إيران على وجه الخصوص،
  3. إقامة علاقات أقرب ما تكون إلى الاتحاد والتحالف الوثيق مع بعض القوى العربية والإسلامية كحزب الله اللبناني، وحركة التوحيد، وتجمع العلماء المسلمين، كقوى تشترك في المشروع الإسلامي الساعي لنهضة الأمة، ومواجهة أعدائها،
  4. تعزيز العلاقات السياسية رسميا مع القوى الفلسطينية المناهضة لمشاريع التسوية على قاعدة المقاومة المسلحة سبيل لتحرير فلسطين، ومساهمتها في أي تحالف يسعى لإفشال مخططات التسوية في المنطقة، والاقتراب رويدا رويدا من فصائل المقاومة الفلسطينية في دمشق ولبنان على وجه الخصوص،
  5. استمرار النشاط الإعلامي وتوسعه، وإصدار النشرات والمجلات كـ"المجاهد، الإسلام وفلسطين، الأمة"، إضافة إلى طباعة كتيبات تشرح فكر الحركة وسياساتها وأهدافها.

 

خامسا: الجهاد الإسلامي والعمل المسلح

تشير العديد من الدراسات إلى دور الجهاد الإسلامي في إشعال انتفاضة الحجارة، ومن هذه الشهادات والتحليلات التالية:

  • الخبير الاستراتيجي "روبرت ساتلوف": إن أهم العوامل التي تفسر نشوء الانتفاضة هو أثر المواجهة الكثيفة بين السلطات الإسرائيلية والجهاد الإسلامي في غزة في الأسابيع الأولى التي سبقت 9/12/1987،
  • المحلل العسكري "زئيف شيف": إن الأعمال المثيرة للجهاد الإسلامي حققت مؤشرا لمرحلة أخرى من مواجهات الهزات التي استمرت على فترات طوال عام 1987، وجعلت رياح الانتفاضة وشيكة الهبوب،
  • الباحثان "علي الجرباوي وزياد أبو عمرو" أكدا على الدور الكبير لحركة الجهاد الإسلامي في زيادة درجة التحفز الجماهيري في قطاع غزة، الذي قاد لاندلاع انتفاضة الحجارة.

وبالرغم من صغر حجم التنظيم من الناحية العددية، إلا أن عناصره تميزت بنشاط مقاوم كبير في مطلع الانتفاضة، وعملت على تأجيج الغضب الجماهيري عبر تنظيم العديد من المظاهرات في قطاع غزة تحديدا، المعقل الرئيس لقيادة التنظيم ومركز نشاطه الأساسي، وكان لحلقة النشاط الجديدة في السلسلة المتتالية من النشاطات المعززة لتوجه التنظيم المقاوم، أثرها في إكسابه دفعة جديدة من الاحترام والتقدير المعنوي داخل العديد من الأوساط في الأرض المحتلة.([28])

لكنه في ذات الوقت، وعلى عكس القوى الأخرى المتميزة بتغلغل تنظيماتها وتشعبها داخل المجتمع الفلسطيني، لم يتمكن تنظيم الجهاد الإسلامي، لمحدودية حجمه، من استيعاب حملة سلطات الاحتلال ضده خلال سنوات الانتفاضة بنفس الفاعلية والقدرة على الاستمرار بالمحافظة على زخم مشاركته بالانتفاضة، وهكذا بعد حملة الاعتقالات الواسعة التي تعرض لها في بداية الانتفاضة شهد دوره انحسارا كبيرا، ناجم عن تعرض بنيته لإصابة مباشرة ومؤثرة في الاعتقالات المذكورة.([29])

وقد نشرت حركة الجهاد الإسلامي خلال سنوات الانتفاضتين، الحجارة والأقصى، شعاراتها في الكثير من الشوارع والجدران في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولعل من أهمها: العراق + إيران = نصر، قطع الحوار الأمريكي هدفه جركم لمزيد من التنازلات، الموت لدعاة السلام، نعم للإسلام لا للمؤتمر الدولي الاستسلامي، السكين والرصاص خيارنا نحو النصر أو الشهادة، إلى جنرالات السلام: اتركوا مواقعكم وأفسحوا المجال للمجاهدين وجنرالات الحرب.

ومن شعاراتها أيضا: الجهاد من الكلمة إلى الرصاص، طريق فلسطين هو طريق الخلافة والوحدة والشهادة، هجرة اليهود السوفييت أثبتت أن روسيا عدوة الشعوب المستضعفة، لتتصاعد حرب السكاكين في وجه الزحف المليوني الصهيوني، انطلقت ثورتنا بعزة الإسلام وثورة الإمام وجهاد القسام، كتاب الله في يد والبندقية في اليد الأخرى، يا عيون الأمة لا تنامي قلب الأمة جهاد إسلامي، نؤكد أن الرصاصة التي أجهزت على السادات جاهزة لتصفية كل سادات.([30])

وفي الوقت الذي انطلقت فيه مسيرة المقاومة المسلحة لحركة الجهاد في أوائل ثمانينات القرن العشرين، فقد شكلت هذه المرحلة غنى وثراء في حياة الحركة، واعتبرت مناسبة وملائمة لانطلاق العمل المسلح للأسباب التالية:

  • فقد تجمعت لديها الكوادر والصفوف والطاقات الشبابية المندفعة،
  • على المستوى الفكري، كانت الصياغة النظرية للأفكار العديدة التي تم تبادلها داخل الحركة تدور حول أولوياتها، وخلصت منذ سنوات إلى صيغة عضوية متداخلة لهما، تحاول أن تزيل أي تناقض بينهما، أو تقدم أيا منهما على الأخرى، وتقضي بضرورة وإمكانية مباشرة العمل لتحقيقهما بشكل متلازم، وعدم تأخير أي منهما على الأخرى،
  • كما ساعدت الظروف الموضوعية الفلسطينية، والظروف الذاتية للحركة، على تحديد التاريخ الزماني لمباشرة التطبيق الفعلي لهذه الصيغة.([31])
  • التوسع في البناء التنظيمي، وتطوير الهياكل التنظيمية.
  • استكمال الإعداد الجدي، وإنشاء الأجهزة المختصة.
  • اختبارات القوة التي دخلتها الحركة بإرادتها أحيانا، ومضطرة أحيانا أخرى، فكان لا بد من اختبار سلامة الطريق، والتثبت من متانة التنظيم، عن طريق تسخين الجو الميداني من خلال:
  • إعداد المظاهرات الجماهيرية،
  • إصدار البيانات والمنشورات السياسية التحريضية، حيث أصدرت الجهاد الكثير من البيانات بأسماء مختلفة، حفاظا على الجانب السري، وأحيانا كانت تصدر البيانات بأسماء ثورية من باب إبعاد الشبهات عنهم، وتضليل البحث عن الجهة التي تصدر هذه البيانات،
  • اشتباكات مع جيش الاحتلال وجها لوجه.

وهكذا أوجدت القناعات المتجددة لدى عناصر الجهاد الإسلامي، تعبيرات كثيرة، كان أبرزها المشاركة الفعالة في إشعال انتفاضتي المساجد عامي 1982و1983، المتمثلة في مظاهرات عارمة خرجت من المساجد، تعلن غضبها وثورتها إثر أحداث معينة كاقتحام المسجد الأقصى المباشر وغيرها.

وتفاصيل هذه الأحداث أنه في أعقاب مجزرة المسجد الأقصى، تدخل الجيش الإسرائيلي في أول يوم بعد المجزرة عام 1982، وحاصر المسجد ومنع دخول من هم دون سن الأربعين، ومنع المصلين من خارج القدس من الدخول للصلاة، إلا أن المصلين من الضفة والقطاع والجليل كانوا قد باتوا في القدس قبل ذلك بليلة واحدة، تعبيرا عن استنكارهم للمجزرة، واستعدادا للفداء، ورغم الأعداد الكبيرة من جنود الاحتلال، فقد خرجت مظاهرة ضخمة تهتف (الله أكبر)، ولم يستطع الجنود السيطرة عليها، بل وقفوا مشدوهين.

وفي قطاع غزة، وزع الإخوان المسلمون وحركة الجهاد منشورات تدعو المسلمين إلى الرجوع إلى شريعة الله، والتمسك بالإسلام لتحرير الأقصى من ذل اليهود، وقامت السلطات الإسرائيلية بمحاصرة عدد من مساجد القطاع، أهمها مسجد فلسطين في حي الرمال، والمسجد العمري في مدينة غزة، ومسجد الإصلاح في حي الشجاعية، ومسجد الرحمة بحي الأمل في خان يونس، ومسجد معسكر الشاطئ، ورغم هذا الحصار فقد انطلقت المظاهرات بعد الصلاة لتهتف (الله أكبر)، وقام الصهاينة بتفريق المظاهرات بالقنابل المسيلة للدموع، وضرب المتظاهرين بالعصي، وجرح عدد كبير منهم.([32])

كما تجلت هذه التحركات في النشاطات السياسية التي انخرطوا فيها، وفي المواجهات الدائرة التي خاضوها ضد الاحتلال، ويشار في هذا السياق إلى مشاركة الكتل الطلابية الإسلامية في مظاهرات عنيفة ضد قوات الاحتلال، ودور الجامعة الإسلامية فيها، خاصة ذلك النداء الذي وزع بتاريخ 16/10/1986، الذي دعا لإضراب عام ليوم واحد للاحتجاج على مظاهر الإهانة والتنكيل التي تمارسها سلطات الاحتلال في غزة.([33])

ومع تنامي التيار الإسلامي في فلسطين، وتزايد إقبال الشباب على الإسلام، أصبح التيار الإسلامي، الإخوان المسلمون والجهاد الإسلامي تحديدا، يمتلك رصيدا شعبيا وزخما إسلاميا شابا، أعانه على تطوير دوره في مواجهة الاحتلال، والارتقاء بمستوى مشاركته الجهادية، الذي تأكد لاحقا بتصعيد المواجهة مع الاحتلال، ومشاغلته على مدار الساعة، عبر أحداث ومواجهات يومية في الشارع، وفي ثكناته العسكرية ومستوطناته.([34])

ومع أن هذه المرحلة في عقدي السبعينات والثمانينات، اتسمت بالعمل التربوي والجماهيري والاجتماعي، من أجل التمكين للحركة الإسلامية فكرا ورجالا، إلا أنها لم تخل من إرهاصات للعمل الجهادي، من مظاهرات وشهداء واعتقالات ومجموعات عسكرية وأسلحة، كلها تنبئ أن الحركة ستدخل قريبا جدا ساحة العمل الجهادي .

وفي مقابل هذه التحركات الجهادية، من الجدير بالذكر الإشارة إلى أن القيادة الإخوانية في قطاع غزة، والشيخ أحمد ياسين بشكل خاص، ووجهت بأسئلة لا تنقطع من أوساط شباب الإخوان الجدد فيما يتعلق بالموقف من مسألة فلسطين والحركة الوطنية.

ومن الراجح أن الشيخ حمل تعاطفا قويا مع العمل الفدائي، وربما ربطته ببعض المجموعات الفدائية في نهاية الستينات بعض العلاقات، إلا أنه التزم في حواره مع أولئك الشبان الذين التفوا حوله بالموقف الإخواني الفلسطيني الرسمي، أن الجماعة لن تتورط في هذه المرحلة في العمل المسلح ضد الكيان الصهيوني، وأن مستقبل الصراع على فلسطين مرتبط بعملية التحول الإسلامي في المنطقة العربية، وخاصة في دول الجوار.

وربما كان لموقف الإخوان المسلمين هذا من العمل المسلح، دور في دفع الجهاد الإسلامي للتحرك حثيثا للانخراط في دائرة هذا العمل، حيث استكملت التحضيرات لهذه المرحلة الحاسمة والمصيرية، وبدأت الاستعدادات للعمل الجهادي من خلال جمع السلاح، وإجراء التدريبات.

وشرع عناصر الجهاد بجمع السلاح وتوزيعه بين نشطائهم، واعتادوا في كثير من الأحيان على إخفاء السلاح الذي يجمعونه في منازلهم، بسبب عدم وجود أماكن أخرى يخفونه فيها، وكانت هذه المسألة تسير في أجواء من السرية والتكتم الشديدين، حيث لم يكن يشعر فيها أقرب المقربين، بمن فيهم أفراد العائلة.([35])

وقد شكلت حركة الجهاد الإسلامي عددا من الأجنحة العسكرية خلال العقدين الماضيين، أطلقت عليها عددا من المسميات، أهمها: كتائب سيف الإسلام، القوى الإسلامية المجاهدة "قسم"، الذي استمر ملازماً لها حتى باكورة انتفاضة الأقصى، قبل أن يستقر الأمر أخيرا على الاسم النهائي للجهاز العسكري المسمى "سرايا القدس".

وقد نفذت السرايا العديد من العمليات العسكرية الموجعة، ومنها العمليات الاستشهادية داخل فلسطين المحتلة عام 48، التي كان أشهرها عملية بيت ليد وأوقعت عدداً كبيراً من الجنود الإسرائيليين بين قتيل وجريح عام 1995.([36])

وفي إثر توقيع اتفاق أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية عام 1994، شهد النشاط العسكري لحركة الجهاد تراجعاً كبيراً أسوة بغيرها من فصائل المقاومة التي تعرضت للأذى والعنت والملاحقة والتضييق، وأدخل العمل العسكري في أدنى حدوده، بشكل يقترب من درجة الجمود.

ورغم محاولاتها العديدة لاستنهاض قواها وإعادة بناء وترميم بنيانها وهياكلها زمن أوسلو، فإن الضربات الموجعة والملاحقات المستمرة التي تولتها السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية، لم تكن تسمح بأي نوع من أنواع الترميم والاستنهاض، أو تتيح أي إمكانية فعلية لمباشرة عمل منظم وفاعل ضد قوات الاحتلال.

ومع اندلاع انتفاضة الأقصى أواخر عام 2000 توفرت لحركة الجهاد الإسلامي، الفرصة الكاملة لاستئناف العمل المقاوم، فبدأت في بناء خلاياها العسكرية، وانخرطت في أعمال المقاومة ضد الاحتلال، متميزة بحضور جيد وفاعلية واضحة في العمل المقاوم.

وتنوعت عملياتها العسكرية من الاشتباكات المسلحة إلى اقتحام المستوطنات إلى العمليات الاستشهادية، وكان لـ"سرايا القدس" دور ووجود، وإسهام أصيل في مسيرة المقاومة، جعل منها هدفاً مباشراً للسياسات القمعية والاحتلالية، ووضعها في دائرة الاستهداف الإسرائيلي، الذي طال عدداً من عناصرها وكوادرها وقياداتها العسكرية.([37])

 

سادسا: الجهاد الإسلامي وعملية التسوية

عارضت الجهاد الإسلامي فكرة التعايش مع إسرائيل، ورفضت كل محاولة ترمي للاعتراف به، كونها تعتبر أن فلسطين أرض وقف إسلامي لا يجوز لأحد شرعا التنازل عنها، ولهذا تقاطع موقفها مع الرافضين لبعض التحركات السياسية، التي رأت فيها محاولة لاستثمار الانتفاضة لصالح الحلول المفروضة أمريكيا وإسرائيليا.

كما رفضت قرارات المجلس الوطني الفلسطيني التي قبلت بالقرارات الدولية، واعتبرتها تفريطا بالحقوق، لأنها تعني التنازل عن جزء هام من أرض فلسطين، محذرة من تحويل الانتفاضة من أداة للتحرير، إلى أداة للتحريك، تشبيها بما تم عقب حرب العام 1973 وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، واعتراف الرئيس المصري السابق أنور السادات بها.

وخطت الحركة خطوة متقدمة بإصدار بيان "البراءة"، جاء فيه: "أننا نبرأ إلى الله من كل مساومة على حقنا في كامل وطننا، أو الاستعداد للتفريط عن أرضنا المقدسة، ومن كل دعوة تطالب بالمؤتمر الدولي أو أي صيغة تجر على أصحاب الحق لعنة التنازل عن حقهم".([38])

واعتبرت أن ما تقوم به منظمة التحرير الفلسطينية بمثابة انتحار سياسي، شبيه بأسلوب الخطوة خطوة، الذي يبدأ باستغلال الانتفاضة، وينتهي بإجهاضها، من خلال نقل مستقبل المعركة مع العدو، إلى معركة على الساحة الفلسطينية، متهمة قيادتها المتنفذة بإتباع سياسة الترويض والخداع للشعب الفلسطيني، لأن الدولة إن قامت، فإنها لن تتخلى فقط عن بقية فلسطين، بل لن تكون قادرة على الصمود إلا بالإلحاق والتبعية للدول الكبرى والصغرى، وتشكل جسرا حقيقيا لتوسع المشروع الصهيوني في كل المنطقة.([39])

وقد بقيت الجهاد الإسلامي على موقفها هذا خلال كل مراحل التفاوض التي حصلت في عملية التسوية، بدءا بمؤتمر مدريد 1991، واتفاق أوسلو 1993، وواي ريفر 1998، ومفاوضات كامب ديفيد 2000، وانتهاء بمؤتمر أنابوليس 2007.

 

1) رحلة الدم الذي هزم السيف، الأعمال الكاملة للدكتور فتحي الشقاقي، إعداد رفعت سيد أحمد، مركز يافا للدراسات والأبحاث، القاهرة ط1، 1997، ص68.

2) البرغوثي، إياد، الأسلمة والسياسة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مركز الزهراء للدراسات، القدس، ط1، 1990، ص29.

3) الحمد، جواد، المدخل إلى القضية الفلسطينية، مركز دراسات الشرق الأوسط، عمان، ط1، 1997، ص383.

4) نافع، بشير، الإسلاميون الفلسطينيون والقضية الفلسطينية، مركز فلسطين للدراسات والبحوث، غزة، ط1،1999، ص25.

5) عمل، ماجد، موقف اليسار الفلسطيني من التيار الأصولي، قضايا فكرية، دار الثقافة الجديدة، القاهرة، 1989، ص343.

6) أبو عمرو، زياد، أصول الحركات السياسية في قطاع غزة 1948-1967، دار الأسوار، عكا، ط1، 1987، ص43.

7) البرغوثي، إياد، الإسلام السياسي في فلسطين: ما وراء السياسة، مركز القدس للإعلام، القدس، ط1،2000، ص49.

8) الجرباوي، علي، حماس: مدخل الإخوان المسلمين إلى الشرعية السياسية، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 13،ص75.

9) حركة الجهاد الإسلامي، مسيرة الجهاد الإسلامي في فلسطين، منشورات حركة الجهاد، غزة، دون تاريخ، ص21.

10) الإسلاميون الفلسطينيون والقضية الفلسطينية، مرجع سابق، ص43.

11) حيدر، خليل علي، الحركات الإسلامية في الدول العربية، مركز الإمارات للبحوث الإستراتيجية، أبو ظبي،ط1، 1998، ص54.

12) طرابلسي، إبراهيم، الإسلاميون والقضية الفلسطينية، المؤسسة الإسلامية للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1988، ص76.

13) دراج، فيصل، وجمال باروت، الجماعات الإسلامية، ج2، المركز العربي للدراسات الإستراتيجية، دمشق،ط4، 2006،ص160.

14) Sela, Michal, Islamic Terror, Jerusalem Post,21/12/1987.

15) الشقاقي، فتحي، الحركات الإسلامية وتطورات القضية الفلسطينية، مجلة الهدف، دمشق، سبتمبر 1995، ص32-34.

16) مسيرة الجهاد الإسلامي في فلسطين، مرجع سابق، ص32.

17) الإسلام السياسي في فلسطين، مرجع سابق، ص20.

18) موراي، إيان، الإسلام يشكل المقاومة في الأراضي المحتلة، جريدة القبس، 14/10/1987.

19) جبارة، تيسير، دور الحركات الإسلامية في الانتفاضة الفلسطينية، دار الفرقان، عمان، ط1، 1992، ص19.

20) شكيد، روني، حماس من الإيمان بالله إلى طريق التطرف، ترجمة منير محمود، المكتبة المصرية الفرنسية، القاهرة، 1995، ص66.

21) المدهون، ربعي، الحركة الإسلامية في فلسطين 1928-1987، شؤون فلسطينية، لعدد 187، كتوبر 1987، ص27.

22) أبو عامر، عدنان، الحركة الإسلامية في قطاع غزة بين الدعوة والسياسة، مركز الإعلام العربي، القاهرة، ط1، 2006، ص65.

23) عادة درجت عليها القوى الوطنية تعفو خلالها عن العملاء المرتبطين بالاحتلال الإسرائيلي، بحيث يعلن العميل توبته الحقيقية عن التعامل مع سلطات الاحتلال داخل المسجد.

24) الأسلمة والسياسة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مرجع سابق، ص76.

25) جبارة، تيسير، مرجع سابق، ص65.

26) جاء ذلك في افتتاحية العدد الأول من المجلة.

27) سليمان، محـمد، إعلام الانتفاضة: تكاملية الأداء وفاعلية النتائج، ط1، النهضة برس، نيقوسيا، 1991، ص25.

28) Taraki ,Liza, Islamic Resistance Movement in the Uprising, Middle East Report, February 1989,p32.

29) أبو عمرو، زياد، الحركة الإسلامية في الضفة الغربية وقطاع غزة، دار الأسوار، عكا، ط1، 1988، ص24، ولمزيد من المعلومات حول حركة الجهاد يمكن الرجوع لموقع: www.qudsway.net

30) محمد، إبراهيم، شعارات الانتفاضة دراسة وتوثيق، منشورات فلسطين المسلمة، لندن، ط1، 1996، ص176.

31) الناصر، حسام، حركة حماس: الانطلاق ومعادلة الصراع، فلسطين المسلمة، لندن، ط1، 1990، ص4.

32) جبارة، تيسير، مرجع سابق، ص17.

33) عز الدين، أحمد،حركة المقاومة الإسلامية حماس في فلسطين، دار التوزيع الإسلامية، القاهرة، ط1، 1989، ص15.

34) يكن، فتحي، مرجع سابق، ص176.

35) شيف، زئيف، ويعاري، إيهود، انتفاضة، ترجمة دار الجليل للنشر والدراسات، عمان، ط1، 1991، ص194.

36) جريدة الاستقلال الأسبوعية، غزة، 5/10/1995.

37) أبو عامر، عدنان، دور المقاومة في الانسحاب الإسرائيلي من غزة، مركز باحث للدراسات، بيروت، 2006، ص43.

38) الشقاقي، فتحي، الخميني: الحل الإسلامي والبديل، دار المختار الإسلامي، القاهرة، ط1، 1990، ص23.

39) الحركة الإسلامية في الضفة الغربية وقطاع غزة، مرجع سابق، ص144.