أي قواسم مشتركة بين الثورات العربية؟

  • الثلاثاء 16 يناير 2018 01:59 ص

 

أي قواسم مشتركة بين الثورات العربية؟

لم يحرق الشاب "محـمد بوعزيزي" نفسه في ولاية سيدي بوزيد التونسية احتجاجاً على أوضاعه الاقتصادية فحسب، بل ولسببٍ رئيسٍ أيضاً هو إهانة إحدى الشرطيات لكرامته الإنسانية بصفعه على وجهه لأنه تجرأ على المطالبة بحقوقه الإنسانية، فأطلق صرخته الغاضبة، لتدوّي في العالم العربي، وتعجّ الشوارع العربية بالمتظاهرين السّاعين لنيْل حقوقهم ومطالبهم، ولم تمهل مصر حاكمها أكثر من 18 يوماً ليغادر الحكم، وحاكى شباب اليمن مباشرةً تجربة ميدان التحرير، وأذهلوا العالم بمدى تحضّرهم وسلميّة ثورتهم، وفي ليبيا، انطلق الثوّار، في 17 فبراير/ شباط ،لإقامة نظام بديلٍ عن اعتباطية نظام القذافي.

أمّا في سوريا، فقد انطلقت الاحتجاجات من مدينة درعا التي تعاني من التّهميش، وتعتبر من أكثر المناطق المصدّرة للعمالة من سوريا إلى الخارج، وكما في سيدي بوزيد انطلقت الاحتجاجات رداً على اعتقال شباب وأطفال في سنّ التعليم الأساسي ما دون 15 سنةً، وعدم تجاوب بعض الجهات المعنيّة مع الأهالي في الإفراج عنهم.([1])

أولاً: التخلف الاقتصادي

يسمح ذلك بالقول إنّ العامل الحقيقي الذي يقف وراء هذه الثورات المندلعة في أكثر من بلد عربي، هو أنّ المجتمعات العربية قد أصبحت أكثر تطوّراً من أنظمتها السياسيّة التي أصبحت بنيتها قاصرةً عن تحقيق مطالب شعوبها، بل وتحوّلت إلى عائق أمام تطوّر بنية الدول العربية الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة.

ويتمثّل هذا العائق في التّهميش الاقتصادي والسياسي للفئات العامّة من الشعب، ولاسيّما الشباب منها، والذي يخلق بطبيعته بيئةً خصبةً قابلةً للاحتجاجات، وفي ظلّ غياب المؤسّسات والقنوات السياسيّة الفعّالة التي تمكّن الناس من طرح مطالبهم يلجأ المتظاهرون إلى الشارع وسيلةً لإيصال مطالبهم، والسّؤال الذي يطرح نفسه هو ما هي الأسباب التي قادت إلى هذا التّهميش الاقتصادي والسّياسي؟ وهل تشابه الأسباب التي حكمت اندلاع الثورات يعني تشابهها من حيث النتائج؟

لقد اتّبعت حكومات الدول العربية برنامجاً اقتصادياً يستند إلى وصفات برنامج الإصلاح الاقتصادي والتكيّف الهيكلي لصندوق النقد الدولي، ولكن الخصخصة المباشرة أو غير المباشرة أفرزت طبقة من رجال الأعمال الجدد احتكرت ثمار النموّ الاقتصادي، وقد احتكرت ثلّة ضيّقة من رجال الأعمال المشاريع وثمار النموّ معاً، تردّدت أسماء شهيرة في الدول العربية باحتكارها لقطاعاتٍ واسعةٍ من الاقتصاد المصري، والجزء الأكبر من النّشاط الاقتصادي.([2])

وأنتج هذا النهج النيو الليبرالي التسلّطي تحكّم فئة قليلة جداً من رجال الأعمال في اقتصادات الدّول العربية، على الرغم من أنّ تجارب الدول الأخرى في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينيّة أثبتت عدم نجاح ذلك النهج في تحقيق التّنمية الشاملة، حيث قد ينجح في تحقيق نموّ اقتصادي، ولكنه يخفق في توزيع الثروة، ممّا يخلق طبقة تزداد ثراءً، وطبقة تزداد فقراً، وهو ما حدث في الدول العربيّة التي اتّبعت تلك السياسات، ممّا أدّى إلى تقلّص تكديح الطّبقة الوسطى التي ظلّ عددها ينخفض تدريجياً.

وساهمت الطّبقة الوسطى في تحرير الدّول العربيّة من الاستعمار، وعاشت فترتها الذهبيّة في مرحلة ما بعد الاستعمار بسبب انتشار التعليم بين أوساطها وبالتالي حصولها على الوظائف الحكوميّة التي كانت تمثّل قيمةً اجتماعية مهمّة في ذلك الوقت، وبما أنّ الطّبقة الوسطى هي التي تقود عادةً التغيير الاجتماعي ومن ثمّ الاقتصادي والسياسي، حدث هناك نوعٌ متقدّم إلى حدٍّ ما من الحراك السّياسي في مناخ من الانفتاح والحرية. لكن الدول العربية ما لبثت أن وقعت تحت حكم أنظمة ديكتاتوريّة فاسدة قضت على تجربة الانفتاح السّياسي السابقة ونتيجة لذلك بدأت الأنظمة العربية ذاتها تتحجّج بأنّ مجتمعاتها غير كفؤة لتقبّل العمليّة الديمقراطية، ، لذلك فإنّ من  أبرز نتائج الثورات العربية أنها أسقطت تلك المقولة السلطوية، كما أعادت الاعتبار للطبقة الوسطى، ولدورها في المجتمع.

ثانياً: التهميش السياسي

يقابل هذا الانحدار الاقتصادي، تهميشٌ سياسي إلى أبعد الحدود يتمثّل في عدم تمكين المواطنين من المطالبة بحاجاتهم الاقتصاديّة وحقوقهم السياسيّة، في ظلّ سيطرة حزبٍ واحد على السّلطة بشكل الحزب المسيطر أو الجبهوي من أنماط "حزب الواحد والنصف" أو ما يشبه ذلك، وتدنّي الكفاءة الداخليّة والخارجية لمؤسّسات الدولة، وتحوّلها إلى أدوات بيد البيروقراطيات السياسية، وتحوّل السلطة التشريعية إلى ملحق بالسلطة التنفيذية، ومن يقبع خلفها من تحالف البيروقراطيات السياسية مع رجال الأعمال إضافةً إلى تفشِّي الفساد في السلطة القضائية، وهشاشة استقلالها.([3])

ولعلّ أبرز الأمثلة على غياب عمل المؤسّسات بشكل كامل في الوطن العربي هو تعطيل عمل البرلمانات عن القيام بدورها الأساسي، ومن الأمثلة الجوهريّة على ذلك عدم اعتراض مجلس الشّعب المصري على مجالات إهدار فرص مصر في التّنمية من خلال تسخير الموارد الطبيعيّة المصرية لصالح بعض الجماعات المعيّنة بدلاً من أن تكرّس لدعم الطبقات الفقيرة ومحدودي الدّخل، خاصّةً فيما يتعلّق ببيع الغاز الطبيعي، وتصديره إلى إسرائيل، وبأسعار لا نظيرَ لها في العالم، ولا يوجد تفسير لذلك إلاّ عمل تلك الطبقة المستفيدة على ضمان مشروع التّوريث.

لم يُثِرْ مجلس الشعب في سوريا أيضاً قضيّة دفن عبد الحليم خدام للنفايات السامّة في سوريا إلاّ عند خيانته لسوريا والشعب السوري والتي تركت أثراً سلبياً عميقاً لدى المواطن السوري في مدى استهتار ممثّليه بالأمن الوطني السوري وسكوتهم عنه كلّ هذه المدّة، إضافةً إلى أنّ مسألة رفع الدّعم عن المحروقات لم تَلْق اعتراضاً في مجلس الشّعب رغم ما تركه ذلك من آثارٍ سلبيّة على الزّراعة والطبقات الفقيرة العاملة، مع أنّ نصف أعضاء المجلس على الأقلّ يجب أن يكونوا من العمّال والفلاّحين وفقاً للدستور السوري.([4])

من خلال ما سبق، يتّضح أنّ المطلوب حالياً من أجل إعادة بناء الدول العربية في مرحلة ما بعد الثورات، هو اتّباع نموذج تنموي بديل ينهي احتكار القلّة ممثّلاً بظاهرة سيطرة رجال الأعمال على حياة الدولة الاقتصاديّة ، وإعادة الاعتبار للدّور التنموي للدولة في القطاعات الإنتاجية التي يحْجم القطاع الخاصّ عن الاستثمار فيها، لكي ينعكس النموّ الاقتصادي على كافّة أفراد المجتمع وليس على فئة معيّنة بما يحقّق العدالة الاجتماعيّة في توزيع الدّخل الوطني، إضافةً إلى دعم دور الدولة في مختلف المجالات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافية، وخاصّةً في القطاعات الإستراتيجية التي تمثّل ركائز الاقتصاد الوطني وعندها نستطيع أن نتحدّث عن تنمية قادرة على تلبية مطالب الشّعب الاقتصاديّة.

أمّا التنمية السياسية فلا يمكن أن تتحقّق إلاّ بالانتقال إلى نظام ديمقراطي يقوم أساساً على فتْح دائرة المشاركة السياسيّة عن طريق حريّة تشكيل الأحزاب السياسيّة وفعاليّة منظّمات المجتمع المدني، واعتماد مبدأ التّداول السلمي للسّلطة وفق آليّات دستوريّة فعّالة، ويتمّ ذلك بتزامن التّنمية الاقتصاديّة والسياسيّة مع بعضهما البعض أو بأسبقيّة التنمية السياسيّة على الاقتصادية حتّى يبقى هناك مراقبة ومحاسبة لآليّات عمل الحكومات عن طريق البرلمان وصندوق الاقتراع.([5])

ثالثاً: الموروث الاجتماعي

رغم أنّ الدول العربيّة تشترك في تشابه طبيعة أنظمتها الحاكمة ، لكنها تختلف من حيث البنية الاجتماعية في تركيبتها، لذلك ، فليس كلّ ما يصحّ في مصر والمغرب العربي قد يصحّ في المشرق العربي.

لقد أفرز الموروث الاجتماعي التاريخي المستمدّ من دور الاستعمار، والقمع والاستبداد السياسي والاجتماعي الذي مارسته الأنظمة السياسية العربية لاحقاً، هويّاتٍ وانتماءاتٍ فرعيّة في المجتمعات العربية وخاصّةً المشرقيّة منها، تكون أكثر وضوحاً في ظلّ عدم الاستقرار السّياسي الداخلي، نتيجة الشّعور بعدم الأمان.

ومن البديهي أنّ المجتمعات التي تعاني من أزمة في الهويّة هي عاجزة عن تحقيق تكامل وطني بين مكوّناتها الشّعبيّة، نتيجة تضارب الهويّات الفرعية، في ظلّ غيابٍ كامل للدّيمقراطيّة، ممّا يسمح لبعض الزّعامات غير المدنيّة بالتأثير في الشّعب بشكل سلبي يعبّر عن هواجسها الطائفيّة أو العشائريّة، إنّ ظروف الغموض قد تساعد في تنامي الشّعور بالهويّات الفرعيّة على حساب الهويّة الوطنية، خصوصاً في ظلّ غياب المؤسّسات المدنيّة القادرة على تأطير المواطنين سياسياًّ واجتماعياًّ و تحميهم من تأثير تلك الزعامات غير المدنيّة.

ولا يخرج عن هذا الإطار دورُ النّظام السّياسي في إشاعة أساليب التّخويف وتحريض البعض ضدّ الآخر من خلال بعض الأعمال، وليس بالضّرورة أن تقوم السلطة التنفيذيّة بهذا الدّور، فمفهوم النّظام السّياسي يمتدّ ليشمل قوى الأمن ورجال الأعمال المستفيدين من النّظام كما أوضحنا سابقاً.([6])

تختلف التغيّرات السياسية في المجتمعات على مدى تأثيرها في تماسك مجتمعاتها، فمنها ما يعزّز الوحدة الوطنيّة نظراً للحالة الثورية التي يعيشها الشّعب. ومنها ما يترك آثاراً بالغة السّوء على الاندماج الوطني في حال لم يكن المعارضون للتغيير أو الثورة هامشيّين وكانوا مكوّناتٍ أساسيّةً من الشّعب، وقد يكون لذلك أسبابٌ تاريخية معينة، ويزداد الأمر تعقيداً إذا ما نجح التدخّل الخارجي في اختراق كلّ طرف، عندها حتّى لو أراد كلا الطّرفين التنسيق فيما بينهما، قد يعرقل ذلك المصالح الخارجيّة المتضاربة.

من خلال ما سبق، نجد أنّ هواجس أزمة الهويّة، وإذا ما حملت مركّبات خارجيّة، هي هواجس مشروعة وخطيرة في تداعياتها قد تُؤدّي إلى مزيد من تفتيت انقسام المشرق العربي، لذلك يجب إيجاد حلٍّ سياسي للأوضاع يضمن عمليّة تحوّل ديمقراطي بشكلٍ سلمي بعيدة عن أيّ تدخّل خارجي مَهْما كان، ومن ثمّ يجب أن تنجح الدول العربية الأخرى وخاصّةً مصر في تحوّلها الدّيمقراطي لكي تكون دولة قويّة تساهم بشكل فعّال في بناء نظام إقليمي عربي قادرٍ على مواجهة تحدّيات النظام الإقليمي ويتفاعل معه لا أن يخضع له.

ويتم ذلك بتنمية قدراتنا الذاتيّة وامتلاكنا آليّات التطوّر الذاتي اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وتكنولوجياً، وذلك بما يعزّز الشّروط والمتطلّبات الذاتيّة المطلوبة لصيانة الأمن القومي العربي، وتقتضي التّنمية أن نتحرّك على أساس مصالحنا القوميّة،  ونحدث توازناً معقولاً ومؤثّراً بين السّياسة الدفاعيّة والسّياستين الاقتصاديّة والسياسية.

رابعاً: النهوض الفكري

بعد العهود الطويلة التي عاشتها الأمة العربية خلف الأبواب الموصَدة تحت حكم العائلات والأيديولوجيّات والنّظم العسكرية وما أنتجته من احتقان في المجتمع وتحجّر في الفكر وركود في الاقتصاد واختفاء للمبدعين في المجالات كافّة لم يكن انفجار الثورات العربيّة مدهشًا بل المدهش هو كيف أنها تأخّرت كلّ هذا الوقت.

وأملُ كلّ الجماهير العربيّة العريضة هو أن تصبح الثّورات العربية الحاليّة القِيمةَ التي تجمع الأمّة العربيّة والإسلامية، والفخر الذي يمنحها الثقة بنفسها، والسّبب الذي يحفزها واللبنة التي تبني منها مستقبلها، كما هي الحال بالنسبة إلى الفرنسيّين والثورة الفرنسية والأمريكان وحرب الاستقلال، لكن كلّ ذلك رهين بمدى نجاح هذه الثورات في الوصول إلى أنفع الوسائل والحجج في مواجهة الاختبارات والتحدّيات، ما يعود على كافّة المواطنين نفعه، لأنّ الثورات رغم قوّتها ومعانيها ليست مسألة حقّ ولا مؤسّسة عدل وصورتها الزّاهية لابدّ أن تنتهي إلى وضع سياسي يعقبها وحماستها الرومانسية لابدّ أن ترسو على جبل الواقع.[7]

ولن تكون الثّوراتُ العربيّة في ذلك بدعًا من الثّورات العفويّة التي تقوم على شعارات مجملة، وترسم بريشة فنّانين عَرفوا الفقر والقهر والمهانة، صورة زاهية لمستقبل فيه يغاث الناس وفيه يعمرون أرضهم وينعمون بخيراتهم واختياراتهم وفيه يَأمنون على أنفسهم ألاّ تُهدر كرامتهم و دماؤهم وتُنهب أموالهم و تُهتك أعراضُهم.

بل أنها كسائر الثورات تحلم بالحريّة والعدل والرفاهية وتقدّم التضحيات، ولكنها حينما تنتصر تضع الثّائر بين ما في مخيّلته من صورة زاهية للمستقبل وهو يحلم بانتصار ثورته وما يراه أمامه من سدٍّ منيع من التحدّيات يسدّ عليه الأفق، حتى لا يدري إلى أين يسير بثورته أو ماذا يفعل بها أو كيف يحقّ بها الحقّ بعد أن أبطل بها الباطل، وبذلك إذا كانت المشاركة الفعلية في الثورات فرض كفاية يقوم به الشباب دون غيرهم فإنّ إعانة الثورات العربية على تجاوز حالة الدوار الحالية حتّى لا تخرج عن مقاصدها و حتّى لا تضطرب فتتذبذب وترتبك هو فرض عين على كلّ من آتاه الله بسطة في العلم والتّجارب.([8])

خاصّةً بعد المخاوف التي بدأت تساور الكثيرين على مصير ثورتيْ تونس ومصر اللّتيْن نجحت فيهما الثّورة العفويّة في إزاحة الأنظمة المستبدّة، لكنها دخلت بعد ذلك في حلقات غير متناهية من المناورات السياسيّة والعنف والأعمال الفوضويّة تقود كلّ منها إلى الأخرى، وتحوّلت الحياة السياسيّة في البلدين إلى مظاهر عبثيّة وحركة في دائرة مفرغة لا تصل أبدًا إلى نهاية، وهذا ما ينذر بتبديد طاقات الثّورات وإهدار مواردها البشريّة والفكريّة وإضعاف ثقة الشّعب بنفسه وبثوراته، كما يعطي الانطباع لدى المراقب بأنّ الثورات العربيّة الحاليّة تطالب بتحقيق إصلاح لا تدرك تحديدًا ماهيّته ولا تسبر غوره ولا تتحكّم في نتائجه وآثاره ولا تقوَى على حماية نفسها ولا أوطانها من الاختطاف من قبل الأجانب أو صائدي الفرص السياسيّة من الانتهازيّين، وهذا ما يستوجب أن تستفرغ كافّة الأقلام و المؤسّسات الفكريّة العربيّة وسْعها في إعانة الثوّار في ضبط هذه الحرية التي مهروها بالعرق والدّماء والتضحيات العظام وتنظيمها، لأنّ هذه الثّورات إذا سقطت فربّما تأخّرت نهضة الأمّة إلى ألفيّة تالية.

ولأنّ أهل الفكر في كلّ مجتمع لاسيّما في مجتمعنا العربي هم النّجوم التي يسير على هداها مقبل الأجيال في صحارَى الشّكّ، وهم العمد التي تؤسّس عليها الهياكل السياسيّة والنظم، وهم الغيْث الذى يهزّ المجتمع فيحيي الأفكار والنّماذج وينبت الرّؤى الأصيلة، وهم النّور الذي يخرج الأمم من ظلمات التخلّف والقهر والعصبيّات البغيضة إلى نور الحريّة والقيم الإنسانيّة ومجتمعات النّهضة والكفاية والفضيلة.

خامساً: الدوافع والحوافز

خلال الأحد عشر شهراً الماضية، ورغم انشغال الملايين اليومي بمتابعة الثورات، والمطالبات اليومية في دول أخرى بإسقاط الأنظمة، بقي السؤال المحوري كيف حصل ذلك؟ بعبارة أخرى أيّة قوة تلك التي استطاعت أن تطيح بنظام الرئيس التونسي المخلوع خلال 23 يوما، ومن بعده الرئيس المصري مبارك خلال 18 يوما، ومن بعدهما القذافي الذي  لم يتمكن من الإبقاء على سيطرته كاملة على ليبيا ويواجه ثورة تتقدم يوما بعد يوم، واليمن التي يشهد فضاؤها السّياسي انتفاضة غير مستكينة، وسوريا التي يمتد سيل الدم فيها آفاقاً غير مرئية.

الجواب عن هذا التساؤل المشروع يحتاج لفهم طبيعة أيّ حراك سياسي ضدّ أيّ نظام سياسي قائم، كونه مرتبط أيّما ارتباط بما يقوم في ذلك النظام، وعليه ثمة تماثل في ما تقوم به العديد من الأنظمة السياسية، كما أن هناك تماثلا  في الرد الذي يأتي على ما تقوم به تلك الحكومات، وفي هذا السّياق لا فضلَ لمجتمع على آخرَ، لأنّ هناك عوامل ناظمة لحراك الرّأي العام تكاد توحّد العالم ماضيا وحاضرا ومستقبلاً.([9])

المتصفح لصفحات التاريخ يمكنه أن يخلص إلى أن هناك ثلاثة عوامل ناظمة لأيّة ثورة أو فعل تغييري، هذه العوامل تكاد تتحرّك في فضاءات الزمان والمكان دون أن يتمكّن فرد أو قوّة من التحكّم فيها، هذه العوامل هي: مستوى من الوعي يتوفّر عند العديد من الناس، مستوياته فردية، كلّ يعتقد  في ما هو صحيح وما هو خطأ، لكن هذا الوعي يبقى غير مؤثّر وفاعل ما دام على المستوى الفردي، انتقاله إلى أن يصبح الوعي الجمعي هو العامل الثاني الذي يسرّع من الحركة باتجاه الثروة. إنّ الوعي الجمعي يدفع إلى التفكير في الأدوات التي يمكن أن يعمّم فيها هذا الفكر الجمعي إلى أكبر قاعدة ممكنة، وهو الأمر الذي يدفع للتفكير في الأدوات والوسائل. إن حصول توافق يعكس حالة الوعي الجمعي، هذا التوافق على القضايا الكبرى بدوره يدفع هذا الوعي الجمعي إلى مرحلة هي الحركة، بعبارة أخرى الانتقال من تبادل الأفكار إلى ترجمتها عبر فعل الخروج والثورة. إنّ الوعي الجمعي الذي يبدو أحجية للبعض إنما يتعلق بمفردة طالما غيّبها الاستبداد والمستبدّون ألا وهي الكرامة، هذا التغييب جعلها من المفردات الغريبة على الأذن العربية. رافق هذا التّغييب إفسادٌ للذّمم والمعايير،  إلى حدّ التباهي بكلّ مفسدة والخشية من كل ما فيه مصلحة.([10])

أخيراً.. فإن الثورات في المجتمعات العربية الباحثة عن كرامة إنسانية بعثرها مستبدّون كبار وصغار كانت ستحدث حتى في ظلّ غياب شبكات التواصل، لأن حالة الوعي الجمعي التي تحقّقت والتي تمكّنت من رؤية أهدافها بوضوح كانت ستبتكر في استخدام أيّة وسيلة اتّصال متاحة، لأنّ هذا الوعي الجمعي المتحرّك الذي يدفع إلى تحديد الأهداف وإيجاد حالة من الإجماع عليها هو الذي يضمن تكرار حالة الثورة مهما بلغ ظلم الظالمين ومهما تعقّدت وسائل الاتّصال أو تيسّرت.



[1]) الثورات العربية

2) سبعة مفاتيح لفهم الثورات العربية: http://www.alrakoba.net/news-action-show-id-36351.htm

3) الشفافية الدولية: الثورات العربية زادت الوعي بالفساد ومكافحته:

 http://www.dw-world.de/dw/article/9799/0,,15571320,00.html

4) نيروز غانم ساتيك، هل تتشابه الثورات العربية؟

http://www.facebook.com/arab.center/posts/119912644764075

5) في ظل الثورات العربية: http://www.nadyelfikr.com/showthread.php?tid=46058

6) الثورات العربية .. ومعادلة النجاح والفشل: http://albayan.co.uk/article.aspx?ID=1533

7) خير الله خير الله، محاولة لفهم الثورات العربية: http://www.elaph.com/Web/opinion/2011/4/650010.html

8) عمر إبراهيم الترابي، دور المؤسسات الفكرية العربية في دعم الثورات: http://www.dohainstitute.org/Home/Details?entityID=5d045bf3-2df9-46cf-90a0-d92cbb5dd3e4&resourceId=55277c6f-27b2-47c1-b406-8522f4fa9db1

9) الهلالي عبد اللطيف، الثورات العربية بين الواقع والآفاق:  http://www.alarabonline.org/index.asp?fname=%5C2011%5C

10) محجوب الزويري، الثورات العربية وسؤال الدافع: http://www.arabs48.com/?mod=print&ID=80304