المثقفون الإسرائيليون ومرحلة ما بعد عرفات

  • الإثنين 15 يناير 2018 08:23 م

المثقفون الإسرائيليون ومرحلة ما بعد عرفات

  • مقدمة
  • انطباعات المثقفين الإسرائيليين تجاه عرفات
  • كيف تعامل أصحاب الفكر الإسرائيليين مع وفاة عرفات ؟
  • حاجة الإسرائيلي إلى الإعلان عن عدو
  • نظرة المثقفين لمرحلة ما بعد عرفات
  • المواقف السياسية الحزبية داخل إسرائيل
  • الخاتمة

يناير 2005

  • مقدمة :

اجتهد الإسرائيليون ، ساسة ومثقفين ، أكاديميين ومفكرين ، على مختلف مشاربهم السياسية ، وتوجهاتهم الفكرية ، في إظهار الحملة الضارية على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ، وهو على فراش مرضه ، ، وبعد رحيله مباشرة ، في زي موحد يوحي بأن في الأمر ( تصفية لحسابات شخصية ) ، قديمة متجددة .

وبالتالي لم يكن في وسع أي مراقب لردود الفعل التي ظهرت في أعقاب مرض عرفات ، ومن ثم وفاته ، لاسيما تلك الصادرة عن الطبقة المثقفة ، ورجال الوسط الأكاديمي في المجتمع الإسرائيلي ، إلا أن يبسط هذه الحملة التي بدت منظمة ، سوى أن العداء الذي كان موجها لعرفات ، يحتمل أكثر من جانب شخصاني مفرط ، ليتعداه إلى تعبير عن عداء راسخ لكل ما يمثله من طموحات الفلسطينيين من جهة ، مع العلم بأن الجانب الشخصي في نظرة المثقفين الإسرائيليين إلى عرفات ، يعتبر تفصيلا مهما في منظومة متكاملة أكثر أهمية ودلالة من جهة أخرى .

لقد استنفرت إسرائيل بكامل مؤسساتها الرسمية والثقافية والإعلامية لحدث مرض ووفاة عرفات ، الحكومة من جهتها خصصت جلستين لهذا الموضوع ، إحداهما كانت سرية ، وعقدت كجلسة أمن مغلقة ، والكنيست أجرت بحثا تفصيليا شاملا ، والقيادات الأمنية على اختلاف أذرعها ( الجيش ، والشرطة ، والمخابرات العامة –الشاباك- ، والمخابرات الخارجية- الموساد- ، والمخابرات العسكرية –أمان- ، ودائرة الأبحاث في وزارة الخارجية ، وغيرها من المؤسسات والمراكز البحثية أجرت دراسات مستفيضة حول عهد ما بعد عرفات ، ولم تنه أبحاثها بعد .

ولعل التحليلات التي صدرت عن هؤلاء المثففين قبيل وبعيد وأثناء مرض عرفات ، تدلل على تلك النظرة في أبعد من مستوى وصعيد .

علما بأننا في هذه المقالة لا نملك ما يكفي من أدوات التحليل العلمي ، التي تسعف في استكشاف بواعث نفوس الإسرائيلييين ، التي وجدت طريقها إلى هذه المقالات ، لاسيما تلك التي تمحورت دون وازع علمي أو مهني ، او حتى أخلاقي حول نزعات لا تمت للسمات البشرية بصلة ، كالشماتة والتشفي بمرضه وموته في إثر ذلك ، ومع ذلك سوف نحاول أن نقرأ الرسائل الفكرية والمضامين الثقافية التي تضمنتها تلك المقالات والتعليقات .

 

  • انطباعات المثقفين الإسرائيليين تجاه عرفات

من خلال سيل المقالات والتعليقات والمحاضرات التي ملأت الأفق الإسرائيلي ، خلال شهر نوفمبر الماضي ، نستطيع الخروج بانطباعين محددين جمعا المثقفين والمفكرين الإسرائيليين تحت لوائهما ، وخاصة تجاه النظرة إلى عرفات ، ومن ثم مستقبل القضية الفلسطينية في مرحلة ما بعد رحيله ، وهذين الانطباعين هما :

 

  1. الانطباع الأول :

لعل أكثر ما أزعج الإسرائيليين ، ساسة ومفكرين وجمهورا ، في شخص عرفات هو رفضه المتواصل ، على عدم مماشاة الإملاءات الإسرائيلية لعملية التسوية مع الفلسطينيين ، لاسيما عند توقف عجلة التسوية في أواخر العام 2000 ، وفشل مباحثات كامب ديفيد .

  1. الانطباع الثاني :

تنفس الصعداء ([1]) الذي كان يحبسه الإسرائيليون في مرحلة ما قبل عرفات ، بانتظار رحيله ، حتى يتم التخلص كليا من إرثه وتركته ، التي توضحت في كامب ديفيد ، وبالتالي الاستبشار خيرا بأن كل قيادة ستأتي بعده ، سيعني مماشاة للإملاءات الإسرائيلية في عملية التسوية .([2])

وفي ضوء ذلك يرغب المحللون والمثقفون الإسرائيليون عند الحديث عن هذا الانطباع ، بالحديث عن القيادة القادمة ، بأن عرفات كان يمثل أربعة إنجازات حققها منذ بداية عهده في قيادة النضال الفلسطيني ، وهي : نضال الفلسطينيين أنفسهم ضد إسرائيل ( مقابل العجز العربي ) ، استقلالية القرار الفلسطيني ، وحدانية التمثيل من جانب منظمة التحرير ، الاعتراف الدولي والإنجازات الإعلامية والدبلوماسية الفلسطينية .

وفي ضوء هذه المواقع التي احتلها عرفات ، يرى المحللون وموجهو الرأي العام الإسرائيلي ، أن التعيين الرسمي لقيادة سياسية فلسطينية متفق عليها ، لا يعني بالضرورة أيضا توريث هذه المكانة الرمزية لعرفات .([3])

 

  • كيف تعامل المثقفون الإسرائيليون مع وفاة عرفات ؟

ما إن علمت وسائل الإعلام وقادة الرأي العام والمثقفين الإسرائيليين بتدهور صحة رئيس السلطة الفلسطينية حتى بادرت إلى الاحتفال بموته ، وأعلنت أنه سيفارق الحياة خلال بضع ساعات ، ولكنها سرعان ما اضطرت إلى وقف تهورها والبحث في نتائج وفاة عرفات ... وفجأة أخلت الفرحة مكانها للقلق ، فما الذي سيحدث إذا توفي عرفات ؟ وهل أن إسرائيل مستعدة لهذا الحدث ؟ وفورا تسارعت الأفكار وبدت إسرائيل الرسمية والإعلامية والثقافية في موقع من يريد النأي بنفسه عن الظهور بمظهر الفرح أو الشامت .[4]

لقد كانت انطباعات موجهو الرأي العام الإسرائيلي ، في غاية الغرابة ، بعد ان قادة جملة من المفكرين والمثقفين حملة ملؤها التشفي والشماتة بمرض ووفاة عرفات ، الأمر الذي استدعى ( أوري أفنيري ) الناشط في كتلة السلام الإسرائيلية إلى القول : "إن قيام إسرائيل بقذف هذه الكمية من الأوساخ في تصريحاتها المقززة ضد شخصية الرئيس عرفات ، يدفع المرء إلى الخجل بكونه إسرائيليا ، لقد واصلوا عملية شيطنة عرفات حتى بعد وفاته ، ما يدلل على أن الاحتلال الذي طال 37 عاما ، قد ادى إلى تحول الإسرائيليين إلى مجتمع بهيمي ، قتل كل قطرة من النزاهة البسيطة في داخله " .([5])

لقد عبرت إسرائيل بمركبيها الرسمي والشعبي ( بما فيه المثففين ) عن مشاعرها تجاه عرفات ، من باب السلوك الغريزي الحاقد ، والذي لم يشغله أمر أكثر من التأكد من وفاة الزعيم الفلسطيني .

ولكي نلقي الضوء على كيفية تعاطي المفكرين والمثقفين الإسرائيليين مع حدث وفاة عرفات ، يجدر بنا أن نؤكد على حملة التحريض المفعمة بالغرائز والشتائم ضد عرفات بصورة خاصة ، والشعب الفلسطيني بصورة عامة ، وعبرت صفحات الصحف وساعات البث الإذاعي والتلفزيوني عن سريرة الغالبية العظمى من الإسرائيليين في يوم تشييع جثمان عرفات في رام الله .

ووفقا لمؤشر السلام الإسرائيلي الشهري لشهر تشرين الأول 2004 ، فإن التدهور الشديد في الوضع الصحي لعرفات ، وقت إعداد المؤشر ، لم يخفف أبدا من حدة العداء تجاهه في المجتمع الإسرائيلي ، وكما في السابق ، فإن معظم الإسرائيليين اليهود يرون فيه إرهابيا ، بينما تعرفه أقلية صغيرة جدا فقط بأنه سياسي ، وتعتقد أغلبية واضحة بأن إسرائيل أخطأت عندما سمحت له بالعودة إلى المناطق الفلسطينية من تونس في العام 1994 ضمن إطار تنفيذ اتفاق أوسلو .

وبلغة الأرقام ، فقد اعتبر 79% من اليهود ، أن عرفات إرهابي ، و5% فقط اعتبروه سياسيا ، بينما وضعه 15% في منتصف الطريق بين السياسي والإرهابي ، وأشارت 64% من الجمهور اليهودي إلى أن إسرائيل لم تتصرف بشكل صحيح عندما سمحت لعرفات بالعودة إلى المناطق في إطار تطبيق اتفاقات أوسلو ، فيما اعتقد 23% أنها تصرفت بصورة صحيحة .([6])

لقد تحول عرفات خلال فترة مرضه ووفاته إلى ملك للمحطات التلفزيونية والإذاعية الإسرائيلية قاطبة ، ونجم مواقع الانترنت الإخبارية الإسرائيلية ، متصدرا العناوين الأولى في الصحف الإسرائيلية ، الأمر الذي أثار غضب شارون ، وفقا لما ذكرته وسائل الإعلام الإسرائيلية ، بقوله : لماذا هذا الاهتمام الإسرائيلي بموت عرفات ؟ سأل شارون متذمرا في غرف الحكومة المغلقة .([7])

وفيما لم تعقب القناة الرسمية الأولى والقناة الثانية ، على أقوال شارون ، فقد ردت القناة العاشرة على أقوال رئيس الحكومة بالقول : إن موت عرفات هو حدث إعلامي ، يهم الإسرائيليين بالدرجة الأولى ، ولا يمكن تجاهله على الرغم من النقاش مع الشخص المعني .([8])

وبين العناوين الكثيرة التي حملتها كبرى الصحف " يديعوت أحرونوت " بأجواء احتفالية ، ومنها :

  • ياسر عرفات : أحد ألد أعداء إسرائيل ، يعود إلى رام الله داخل نعش
  • عميقا في الأرض ... اليوم سيحصل الأمر ...
  • صندوق إسمنتي ثقيل يحمل جثة الرجل مع المسدس والكوفية الأبدية
  • إرهابي مقيت وزعيم شعب ... سيوارى في أنقاض المقاطعة
  • عرفات يعود إلى بيته ... إلى الدمار والأسى ... إلى الدولة التي لن تكون له
  • بعد أسبوعين من الاحتضار ... بلغت الدراما نهايتها
  • الإسرائيليين يحتفلون بموت عرفات... موسيقى وويسكي وحلويات في غوش قطيف([9])

ولم تتأخر صحيفة "معاريف" عن اللحاق بركب التشويه ، بل كانت السباقة في شيطنة عرفات ، ومما جاء في عناوينها الرئيسية :

  • مات عرفات .. شرق أوسط جديد
  • الفلسطينيون سيخلدونه زعيما ، بينما سيذكره الإسرائيليون إرهابيا
  • هذه المرة نهائي ... سلاما وليس إلى اللقاء ([10])

وبذلك فإن الأمر الأشد إثارة للذهول في السلوك الإسرائيلي ، هو أن القادة والمثقفين الإسرائيليين الذين قرروا قبل عامين فقط أن عرفات أصبح رجلا غير ذي شأن بما يحدث على الأرض ، تعاملوا ولو بشكل مباشر مع حالة مرضه ووفاته بوصفه الرجل الأكثر شأنا ، ولذلك كرست وسائل الإعلام الإسرائيلية - كما مر معنا - ، أغلب وقتها وصفحاتها لمتابعة أنباء تدهور صحة عرفات .

واحتلت صورة عرفات وأنباء صحته ليس فقط الصفحات الأولى ، بل الكثير من الصفحات الداخلية التي تعاطت مع الحدث ، وكأنه الشأن الداخلي الأول .

 

  • حاجة الإسرائيلي إلى الإعلان عن عدو

ومع ذلك فإن النظرة إلى عرفات من قبل المثقفين والمفكرين الإسرائيليين ، لم تكن سوى اختزالا لنظرتهم إلى الفلسطينيين عموما ، فقد اختصرت نظرتهم إلى هؤلاء الفلسطينيين انطلاقا من فرضية ( شيطنة الآخر ) ، وهو سلوك ليس جديدا على أوساط مجتمع المفكرين الإسرائيليين ، بل هو ابتكار ضارب في القدم ، في ممارسة الحركة الصهيونية منذ بداياتها .

هذه الممارسة التي صورت الإنسان العربي في أبشع هيئة ، ولعل المجال لا يسعفنا هنا لذكر التصويرات الإسرائيلية التي تفوه بها العديد من المنظرين والمفكرين الإسرائيليين ، ولذا فما من شيء أكثر سهولة في المجتمع الإسرائيلي من العودة إلى هذا التصوير المشوه للفلسطينيين كلما لزم الأمر .

وانطلاقا من هذه النظرة ، فقد كانت الأوساط الفكرية الإسرائيلية في حالة انشغال دائم بالإعلان عن عدو جديد لإسرائيل ، وقد وجدت عرفات العدو الأكثر ملاءمة لها ، ليس ذلك فحسب ، بل إن البزة العسكرية التي اعتاد عرفات على ارتدائها ، لم تسلم هي الأخرى من العداء الإسرائيلي ، لاسيما في أوساط المثقفين والمفكرين ، وقد فات هؤلاء ان المؤسسة السياسية الإسرائيلية متخمة بمرتدي البزات العسكرية ، إن لم تكن بزة مادية ، فهي معنوية ، وقد جاء ذلك على لسان تعليق ساخن نشرته الصحف الإسرائيلية ، ردا على هذا الحقد على هذه البزة ، يقول التعليق : إن من يسكن في بيت من زجاج ، من الأجدر به ألا يرمي الآخرين بحجارته ، لأن معظم أولئك الإسرائيليين الذين أشاروا باستعلاء إلى العسكرية الكامنة في شخصية عرفات ، لم ينتبهوا إلى أنهم هم أنفسهم يرتدون البزة العسكرية ، وإذا لم تكن بزة مادية يمكن لمسها ، فهي بزة ذهنية .([11])

ويمضي صاحب التعليق بالقول : " إن سلسلة مرتدي هذه البزة تبدأ بالقائمين على جهاز الاستخبارات العسكرية ( أمان ) ، وسائر عناصر المخابرات ، مرورا بأقطاب المعارضة ، وصولا إلى رئاسة الحكومة ووزرائها ، ولئن كانت البزات العسكرية للقيادة الإسرائيلية أكثر هنداما ، او تم استبدالها بأخرى مدنية ، إلا أن هذه القيادة السياسية والفكرية ، لم تتجاوز القوة العسكرية في نضجها ، ولم تكف عن التفكير لحظة واحدة لمصطلحات أمنية ، تجاه القضية الفلسطينية بشكل عام .([12])

ونستطيع هنا أن نسوق عددا من الأسماء اللامعة لمثقفين ومفكرين إسرائيليين ، قادوا حملة التحريض على عرفات ، علما بأنهم يملكون ماضيا عسكريا ( ويحملون في أذهانهم بزة عسكرية) لم تتخلى عنهم في جميع مقالاتهم وتحليلاتهم ، ومن هؤلاء :

  • شلومو غازيت : رئيس جهاز الاسخبارات العسكرية ( أمان)
  • عاموس مالكا : رئيس شعبة التخطيط والأبحاث في الجيش الإسرائيلي
  • عاموس جلعاد : رئيس القسم السياسي في وزارة الدفاع
  • عاموس جلبوع : رئيس قسم الأبحاث في جهاز الاستخبارات
  • داني روتشيلد : منسق شؤون المناطق في وزارة الدفاع
  • إيتان بن إلياهو : قائد سلاح الجو السابق
  • يعقوب عميدرور : رئيس شعبة التخطيط في جهاز الاستخبارات العسكرية

جميع هؤلاء وغيرهم ، قادوا حملة توجيه الرأي العام الإسرائيلي قبل وبعد وفاة عرفات باتجاه التحريض عليه ، وامتهنوا طريقة وضع السم في الدسم ،وهم بذلك لم يراعوا الجوانب المهنية والنزيهة في تقديم الفكر السليم ، والتحليل المنطقي الهادئ ، بعيدا عن الثارات القديمة مع الرجل ، وبقيت البزة الأمنية والعسكرية تلاصقهم " على طول الخط ".

أما على صعيد السياسيين الذين تضج بهم الساحة السياسية الإسرائيلية ، فإن إسرائيل ستبقى حتى إشعار آخر ، مع الضابط إيهود باراك كبديل للضابط أريئيل شارون ، ومع الضابط ماتان فلنائي كبديل للضابط باراك ، ومع الضابط عمرام متسناع كخليفة ضائع لباراك ، ومع الضابط عامي أيالون كـ"مضاد مدني" لكل هؤلاء .([13])

وبذلك لجأ بعض المعلقين إلى القول ، ولو من باب التهكم الإعلامي، إلى أن إسرائيل تفضل ذوي الياقات البيضاء ، والبزات الرسمية ، الذين لم تتلوث أياديهم برائحة زيت السلاح أو البارود .

علما بأن هذه الحاجة للإعلان عن عدو لإسرائيل ، لها متطلبات واحتياجات للقيادة الإسرائيلية ، حددها د. إيلي بوديه رئيس دائرة الدراسات الإسلامية والشرق الأوسط في الجامعة العبرية ، في مقال شهير له أعقب وفاة عرفات ، ومنها :

  1. الإعلان عن عدو لإسرائيل ، يتيح أولا تعزيز وتضامن الشعب الإسرائيلي في مواجهة ما ينظر إليه كعدو متربص ، وخطر محدق .
  2. الإعلان عن هذا العدو يتيح فهما أفضل للحاضر الذي يتراءى كجزء من سياق تاريخي طويل ، وربما حتمي ، من الصراعات والحروب المفروضة على الشعب اليهودي .
  3. الإعلان عن هذا العدو يتيح التهرب من مواجهة المشكلات الحقيقية الماصلة امام الدولة والمجتمع اليهوديين .([14])
  • تلك الأسباب ، فقد راجت خلال السنوات الثلاث الأخيرة نغمة ( لا يوجد شريك ) ، والتي تحولت إلى مبدأ هام ، وركن رئيسي في سياسة إسرائيل الخارجية منذ اندلاع انتفاضة الأقصى .([15])

لقد انشغل الفكر الإسرائيلي مطولا في الحديث عن محاصرة الأعداء لليهود ، هؤلاء الأعداء الذين " على مر الأجيال والعصور يسعون إلى محقنا وإبادتنا" ، وهي العبارة التي اعتدنا على ترديدها عند سرد "حكاية عيد الفصح" أو "قصة خروج بني إسرائيل من مصر الفرعونية في كل سنة " ، وأضحت جزءاً ومكوناً أساسياً في عبادة الذاكرة الجماعية لدى الأمة اليهودية، وليس عبثاً، فمعظم كتب التاريخ (وخاصة تلك المكرسة للمدارس) تروي لنا تاريخ الشعب اليهودي كما لو كان كتلة أو مجموعة من الكوارث والمصائب، فيخيل لنا أحياناً أن هذا التاريخ أشبه بحملة لا نهائية لأعداء يسعون إلى محق وإبادة الشعب اليهودي الذي نجح في التغلب على كل هؤلاء المتربصين بعون الله!([16])

لم يقتصر دور هذه العبارة على كونها عنصرا مركزيا مكونا في التاريخ اليهودي وحسب، وإنما تحولت أيضاً إلى حجر زاوية في التفكير والممارسة اليهوديين خلال القرن العشرين ، ولكن وبغية مواءمتها مع الواقع المتغير – أرض إسرائيل بدلاً من الشتات الأوروبي أو البلدان الإسلامية – أُلبس ثوب العدو (الأسطوري القديم) للعدو (الجديد) الحالي المتمثل بـ "العرب" ، وأصبح العربي هو (الغوييم-أغيار) المعروف، أو المستبد الذي بدا مشابهاً للنخبة الأرستقراطية (الأفندية) العربية ، ولم يبق سوى إيجاد الشخصية العربية المقابلة لـ "هامان" الشرير، أو هتلر أو موسوليني .

ولم يكن ذلك بالشيء الصعب أو العسير، فالصراع الإسرائيلي- العربي وكأي صراع آخر، أوجد الأرضية الملائمة لظهور تصورات وأفكار متناقضة وروايات تاريخية متضاربة ، وقد ظهرت في القرن العشرين، وبصورة تسلسلية - كرونولوجية- جداً، أربع شخصيات، بدت كل منها في وقتها بمنزلة هتلر، الذي تزعم شعبا تطلع إلى إبادة الشعب اليهودي .

لقد بدأ ذلك بشخصية الحاج أمين الحسيني، مروراً بجمال عبد الناصر، الذي ورثه عملياً زعيمان لعب كل منهما الدور (المشار إليه في السياق الآنف) :

    • ياسر عرفات، الذي تزعم منظمة التحرير الفلسطينية منذ أواخر الستينيات
    • صدام حسين، الذي تولى رئاسة العراق منذ نهاية السبعينيات

صحيح أن حقيقة، توقيع عرفات على اتفاق أوسلو خلقت صعوبة أمام مواصلة إدراجه ضمن سلسلة أعداء إسرائيل، إلاّ أن اندلاع الإنتفاضة الثانية سرعان ما أعاده إلى مكانه الطبيعي !!!

بالمناسبة فإن المثقفين الإسرائيليين لم يألوا جهدا في الربط بين عرفات وزعماء عالميين آخرين ، لاسيما (فيدل كاسترو) ، ففي حين وعد الرجلان (عرفات وكاسترو) شعبيهما بالخلاص ، لكنهما منحاه نظاما سياسيا يكمن رمزه في البزة العسكرية ، التي لم يقدر أحدهما على خلعها ولو للحظة واحدة !!([17])

ولذلك فإن مسألة الحاجة للإعلان عن عدو تمثلت أبرز ما يكون في التغطية الإعلامية التي صاحبت مرض ووفاة عرفات بعدئذ ، حيث ما إن تأكدت الأنباء القادمة من المقر المقاطعة في رام الله حول تردي حالة عرفات الصحية ، حتى أعلنت وسائل الإعلام الإسرائيلية حالة استنفار فوق العادة ، واستدعت طواقم صحفية سهروا الليالي الطوال ، إما في أماكن عملهم أو في بيوتهم ينتظرون استدعاءهم للعمل ، وبذلك ذهبت إسرائيل (الإعلامية والثقافية) بعيدا في هذه التغطية ، وانتظرت النبأ الأخير الذي قد يصدر عن مقر المقاطعة .

ولاحقا استطعنا أن نعرف أن المسألة كانت أكثر من استعدادات على أساس مهني ، وإنما دخل فيها عامل التمني وبقوة ، وهذا ما انعكس بدوره على جميع وسائل الإعلام وتحليلات المعلقين والمثقفين الإسرائيليين ، إذ طغت على غالبية هذه التقارير والتعليقات كلمة ( موت) !

ومع ذلك فكما كان وجود عرفات على قيد الحياة ، ركنا أساسيا في قدرة إسرائيل على إقناع الإدارة الأمريكية والمجتمع الإسرائيلي بمواقفها فيما يتعلق بانعدام الشريك الفلسطيني ، فإن غيابه ووفاته لن تجعل هذا الإقناع والتأييد مضمونا في الجيب الإسرائيلي ، لأنه سيكون من الصعب عليها أولا إقناع شعبها في المقام الأول .

فالجمهور الإسرائيلي الذي يدفع ثمن الحرب مع الفلسطينيين بأكثر من 1100 قتيل ، و2500 جريح ، و5،12 مليار دولار خسائر اقتصادية ، وانتشار البطالة ، وانهيار السياحة ، والتدهور الأخلاقي للجنود الذين يتباهون بصورهم وهم يمثلون في الجثامين الفلسطينية ، هذا الجمهور بمثقفيه ومؤسساته عليه ألا يقبل بممارسة التضليل الرسمي عليه ، لاسيما إذا اقتنع بأن هذه الحرب التي يخوضها ليست ضرورية ، وليست مفروضة عليه من الخارج !([18])

 

  • نظرة المثقفين لمرحلة ما بعد عرفات

خلال فترة انتظار موت عرفات ، ثبت مدى الحضيض الذي وصلت إليه إسرائيل ، ومدى الانحطاط الذي وصلت إليه أجهزتها الإعلامية والثقافية والرأي العام فيها ، وفي الدافع الغريزي ومهمة انتظار الموت ، والتأكد من وفات عرفات ، واتضح أن مثقفيها وخبراءها ليسوا خبراء في ياسر عرفات ، وأبعد ما يكونون عن فهم حركة الشعوب وبالأخص حركة الشعب الفلسطيني ، وكان إعلامها ومثقفوها هم الأبعد عن التحليل الدقيق وعن الصدق ، لأنهم تعاملوا من باب أنه إذا لم يمت عرفات حين أعلنوا ذلم قبل أسبوع من وفاته ، فالمشكلة إذن في ياسر عرفات ، وليست في مصداقيتهم المهزوزة .

ليس ذلك فحسب ، بل يمكننا الإطلال على مدى (الليبرالية) العنصرية التي مثلها مثقفوها برمزهم الكبير تومي لبيد ، وزير العدل ، حين صرح تصريحات لم تكشف سوى عن استعلاء استعماري عنصري أمام جمهوره اليساري ، حين لم يتورع عن الرقص على الدماء والموت ، الأمر الذي أثبت أن أكثر المثقفين الإسرائيليين ليبرالية-أو غالبيتهم إن أردنا الدقة- ، لا يختلفون بشيء عن ذلك الجندي المجرم الذي قام في شهر أكتوبر الماضي بتفريغ كل ما بحوزته من حقد وذخيرة في جسد الطفلة إيمان الهمص في مدينة رفح ، للتأكد من موتها بعد ان قتلها هو وزملاؤه خلال عودتها من المدرسة .

ورغم الجهود التي بذلها قطاع واسع من المفكرين والمثقفين الإسرائيلين ، في صناعة العداء للدولة اليهودية ، والنجاحات التي حققوها إلى حد ما ، فإننا نستطيع التقرير أن المجتمع الإسرائيلي أوجد عدة شخصيات للأعداء على مر القرن العشرين، وإذا ما كانت هذه الحاجة قائمة بالفعل في زمن ما ، فإنه يبدو الآن ، بعد إطاحة الأميركيين بصدام حسين ووفاة ياسر عرفات، أن هذا الدور قد أصبح يتيماً ، والسؤال المطروح: من هو الذي سيكون العدو المقبل لإسرائيل؟! من هو المرشح لوراثة عرفات؟

في المرحلة الحالية على الأقل لا يبدو أن هناك مرشحاً مؤهلاً لهذا الدور، سواء من بين القادة الفلسطينيين أو من بين زعماء الدول العربية.

ولذلك فإنه بدلاً من البحث عن العدو المقبل، ربما من الأجدر بنا التوقف لنسأل أنفسنا إذا ما كنا لا نزال بحاجة له ؟ فلربما أن هذه الحاجة قد اختفت بعد مرور أكثر من خمسين عاماً على قيام دولتنا اليهودية المستقلة ، وفي الواقع فإن إختفاء العدوين الأخيرين في القرن العشرين - صدام وعرفات- يمكن أن يشكل فرصة لرؤية الواقع بمنظار أقل عدائية ، ثمة وقت للتفكير بذلك حتى "عيد الفصح" المقبل !([19])

وفي ذلك إشارة إلى المفارقة في الموقف الإسرائيلي المتغطرس ، الذي تناسى أو تجاهل الحقيقة الساطعة ، والتي مفادها أن عرفات استطاع " نقل الوعي الفلسطيني ، من المجال التاريخي والرمزي ، إلى المجال البراغماتي والسياسي ، أو من مجال الصراع والنفي المتبادل إلى مجال التسوية والتعايش المشترك ، وفق صيغة دولتين لشعبين ، مستثمرا في ذلك ثقة شعبه به بحكم مكانته التاريخية والرمزية والوطنية" .([20])

بل إن البروفيسور (شاؤول مشعال) الباحث في شؤون الحركة الوطنية الفلسطينية في جامعة تل أبيب ، أشار إلى أن عرفات وضع المشكلة الفلسطينية على الخريطة بشكل يستحيل تجاهله ، وبالتالي ليس هناك في المستقبل المنظور أي طرف إسرائيلي يمكنه كنس المسألة الفلسطينية تحت السجادة .([21])

ومع ذلك فإن هذه البراغماتية لم تشفع له عند المثقفين الإسرائيليين ، الذين استفاضوا بإلصاق التهم له ، ومنهم البروفيسور ( شلومو أفنيري ) ، الذي تمنى على الفلسطينيين بعد ان شبه عرفات بـ(هتلر) ، أن يتحرروا من إرثه ، كيفما أفلح الشعب الألماني في التحرر من إرث هتلر !!([22])

علما بأن هذه الأمنيات يحذر منها مثقفون ومحللون آخرون ، معنى ان مسألة أن يرمي الفلسطينيون ( تراث عرفات) وراء ظهورهم ، امر غير محسوم من قبلهم ، لأنه ولو تمنى الإسرائيليون هذه الأمنيات ، فإن حضور عرفات ( الغائب) بقوة في المشهد الإسرائيلي ، كان من القوة والمهابة بما جعل الكثيرين من الإسرائيليين يأخذون جانب التحذير المتكرر للعهد القديم .

ليس ذلك فحسب ، بل إن الكثير منهم يرون أنه من السابق لأوانه الحديث عن عهد جديد ، خشية الوقوع في فخ الوهم الذاتي بأن فجرا جديدا قد بزغ في المنطقة، لأن توقعات من هذا النوع لن يفسر سوى أنه ضرب من السذاجة ، لأن القيادة الجديدة لن تغير حرفا واحدا من إرث عرفات ، بل ستتمسك بكل الأهداف التي حددها ، وربما تفعل ذلك بقوة أكبر وإصرار أشد حزما .([23])

في المقابل ، وعلى الرغم من أن الكثير من الإسرائيليين ( رسميين ومثقفين ) تمنوا غياب عرفات عن الساحة السياسية ، وبعضهم أقام الصلوات من أجل تحقيق هذه الأمنية ، واتخذت حكومتهم قرارا علنيا وصريحا للتخلص منه بشكل غير مسبوق ، إلا أن الإسرائيليين وحسب تحليلات لعدد من المثقفين ، صدموا لدى تدهور حالته الصحية ووفاته السريعة ، وأصابهم الإرباك إلى وقت طويل فيما ينبغي عمله في عهد ما بعد عرفات .

ليس ذلك فقط ، فقد رأينا عددا منهم يتحدثون بلسان حال الفلسطينيين ، حين يقول أحدهم (أحد رموز اليسار) تعقيبا على وفاة عرفات : بالإجمال ، فإن الفلسطينيين يعرفون أنه بموته ( عرفات) يهبهم الحياة والأمل ، وهم يتنفسون الصعداء بالضبط مثلنا ، ولكن بهدوء أكبر ، ومن الجائز أنهم ، مثلنا ، يرون أمامهم هذا الشخص بخطورة ومرة بأمل ، وأخرى بشكل تراجيدي كوميدي ، وأحيانا كأثر قديم من حياتهم !([24])

 

  • المواقف السياسية الحزبية داخل إسرائيل

عكس رحيل عرفات نفسه بقوة على الخارطة السياسية الإسرائيلية ، بعد ان أصبحت حكومة شارون أقلية تضم 55 نائبا من أصل 120 نائبا في الكنيست ، على إثر انسحاب حزب "المفدال" عنها ، وأصبح من المحتم على شارون أن يوسع ائتلافه الحكومي .

ومع ذلك فإن المحور الأساسي الذي أثر فيه رحيل عرفات هو كيفية التعامل مع خطة الفصل للانسحاب من قطاع غزة ، وتوطيد الاستيطان في الضفة الغربية ، كون أن شارون أعدها من منطلق أنه لا يوجد شريك فلسطيني .

 

  1. مواقف حزب الليكود والحكومة

شهدت الساحة السياسية الإسرائيلية ، لاسيما على صعيد الحكومة وأحزابها الائتلافية ، استنفارا واضحا على المستوى القيادي في صفوفها ، وكثفت الطواقم المختصة من اجتماعاتها ، فشارون رئيس الحكومة جمع حلقته الضيقة من السياسيين والعسكريين ، وعقد وزير الدفاع اجتماعات متسارعة لكبار قادة الجيش ، حيث تم فيها استخراج الخطط الجاهزة لدى قوات الاحتلال لمواجهة أي تطور أمني على الساحة الفلسطينية قد يعقب وفاة عرفات ، وكذا الأمر كان في قيادة الشرطة الإسرائيلية التي على ما يبدو أعدت خطة لمواجهة ما قد يحدث على صعيد مدينة القدس ، والمدن والقرى العربية داخل فلسطين المحتلة .

أما على صعيد المواقف السياسية والحزبية المباشرة على هذا الحدث ، فقد أشارت الكثير من التحليلات إلى " شك يشعر به المراقبون للسياسة الإسرائيلية لدى شارون فيما كان معنيا بصورة جدية بأن يرحل عرفات الآن كليا ، وأن تنتقل القيادة الفلسطينية لشخص آخر في السلطة الفلسطينية ، لأن رحيل عرفات يعني رحيل مصطلح ( لا يوجد شريك فلسطيني ) ، فهذا المصطلح كان الذريعة لخطوات إسرائيل أحادية الجانب ، كالانسحاب من قطاع غزة وشمالي الضفة الغربية " .([25])

ويبدو هذا التحليل ذو مصداقية كبيرة قياسا بما سيقدم عليه شارون والحكومة الإسرائيلية من تنفيذ للخطوات الأحادية الجانب ، وهو يريد تنفيذها مبقيا على عرفات ضعيفا يطل من المقاطعة على ما تفعله إسرائيل وحكومتها .

في المقابل فقد عبرت الأحزاب اليمينية داخل الحكومة عن ارتياحها لحدث موت عرفات ، ولعل أبرز موقف جاء على لسان عضو الكنيست عن حزب (المفدال) آرييه إلداد الذي قال : " حسب أصول العدالة الطبيعية كان يجب أن يموت عرفات بشكل عنيف على يد المحاربين الإسرائيليين ، أو في أحد سجون إسرائيل ، ولكن لا بأس إن مات بغير هذه الظروف ".([26])

من الناحية العملية ، فقد برز معارضو خطة الانفصال من متطرفي حزب الليكود ، الذين انضم إليهم وزير المالية بنيامين نتنياهو ومجموعة (المتمردين) في الليكود ، وحتى حزبي شاس والمفدال الدينيين ، هؤلاء كان موقفهم من رحيل عرفات على النحو التالي : طالما أن من ليس هو بشريك ، قد رحل ، فالآن سيكون أمامنا شريك ، هيا نلغي خطة الفصل ، ونتفاوض من جديد ، دون تحديد أي أفق لهذه المفاوضات !([27])

 

  1. مواقف حزب العمل واليسار

تراوحت المواقف الصادرة عن حزب العمل وشركائه على وفاة عرفات ، بين من أبدى حزنه على شريك السلام الراحل الذي لم يكمل مشوار التضحية لتحقيق السلام ، وبين من عبر عن اقتناعه بأن هذا مصير كل من يجد نفسه داعما " لللإرهاب" ، ومتخليا عن درب السلام الذي بدأ قبل أكثر من عقد من السنين .

وقد كان موقف صديق عرفات التاريخي شمعون بيريس ملفتا للأنظار حين كتب مقالا بمناسبة وفاة عرفات ، وكان عنوانه : ( فتح أبواب التاريخ ... ولكن !!) قال فيه :

" رغم أن جهود عرفات المتواصلة أسفرت عن وضع القضية الفلسطينية في صدارة الأجندة الدولية حيث بقيت على مدى أربعة عقود ، ولكن للأسف ، فقد قاتل عرفات إسرائيل قتالا مريرا ، واقترف الكثير من " الأعمال البشعة" التي خلفت أسرا مكلومة وأرواحا معذبة ، وعلى الرغم من التزاماته بالتغيير ، فإنه لم يتخل حقيقة عن "الإرهاب" كسبيل للإبقاء على القضية الفلسطينية حية " .([28])

وقد علقت الكثير من الكتابات والمواقف المؤيدة لحزب العمل وأحزاب الوسط واليسار على حادث مرض عرفات ووفاته ، بالتحذير من تعليق الأوهام على مسألة خلافة عرفات ، لأن إسرائيل هي التي تسيطر الآن وأكثر من أي وقت مضى ، على الفلسطينيين بدعم كامل من الإدارة الأميركية ، وليس من المبالغ به القول إن مصير الشعبين ، الإسرائيلي والفلسطيني ، مرهون اليوم بتصرفات شارون أكثر مما هي مرهونة بمسألة من يخلف عرفات .

ودعت هذه الكتابات إلى ضرورة ان " يقرر شارون الارتباط باليسار السياسي ، ونيل المساعدة من الأحزاب التي تؤيد إزالة المستوطنات والدفع باتجاه عملية السلام ، لأن ذلك سيكون له تأثير على الاعتدال في الجانب الفلسطيني ، اما إذا اختار الانصياع لأوامر الحاخامين والنشيطين الحزبيين في حزب الليكود ، فإن ذلك سيكون له آثار مدمرة على مسألة خلافة عرفات ".([29])

الخاتمة :

وهكذا بعد وفاة عرفات ، تكون الشماعة التي علقت عليها إسرائيل جرائمها وانتهاكاتها ، قد اختفت ، الأمر الذي يستوجب استحقاقا على المثقفين الإسرائيليين وقادة الرأي العام فيها ، بضرورة تنبيه الجمهور إلى أضاليل حكومته ، هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أن الجمهور الإسرائيلي أثبت أنه مستعد للكفاح ضد حكومته ، مهما كانت قوية ، إذا اقتنع بأنها تأخذه إلى حرب كهذه ، دون مقابل حقيقي ، وهناك العديد من الأمثلة على ذلك في السنوات العشر الأخيرة :

    • فقد أسقط الجمهور الإسرائيلي حكومة إسحاق شامير عام 1992 ، الذي حاول إفشال مؤتمر مدريد
    • وأسقط حكومة بنيامين نتياهو عام 1999 ، الذي حاول إجهاض اتفاق أوسلو ، وكان مسؤولا عن إخفاقاتها الكثيرة
    • هذا فضلا عن الانسحاب الإسرائيلي المهروا أحادي الجانب من الجنوب اللبناني أواسط عام 2000 .

ولكن من الواضح أن مثل هذا الدور الذي يجب أن يضطلع به المثقفون الإسرائيليون ، ليس له ما يصدقه لاسيما في ظل ممارسة الضغوط على القيادة الفلسطينية الجديدة ، فقد أشار كثير من المثقفين الإسرائيليين ونظرائهم من الأمريكيين إلى الدور الكبير الذي لعبه عرفات في وضع القضية الفلسطينية على خارطة العالم سنة 1974 ، عندما خاطب الأمم المتحدة ، ولكن ماذا فعل بكل ذلك الاهتمام الذي لقيه ، وكل تلك المكانة التي حققها ؟ إنه لم يفعل بهما إلا القليل ، وإن في سيرته لعبرة لكل القادة في العالم ، لأنه إذا كان كل ما تفعله هو تمثيل التطلعات ، دون أن تضع تلك التطلعات على أرض الواقع ، فإن التاريخ سيحكم عليك حكما قاسيا !!([30])

ليس ذلك فقط ، فقد بادر المثقفون الإسرائيليون ومنهم د.أفرايم ليفي (المحاضر في جامعة تل أبيب ، وهو عقيد احتياط في شعبة الاستخبارات العسكرية) ، إلى ممارسة الضغط الضمني على القيادة الجديدة تمثلت في ضرورة حسمها لخياراتها الأساسية ، وإلا " ستجد نفسها غارقة في لجة الصراعات الداخلية التي تؤدي إلى الشلل المتبادل ، وانعدام القدرة على اتخاذ القرارات الحاسمة في مواضيع الأمن ( وقف الإرهاب) ، والمواضيع السياسية (استئناف المفاوضات مع إسرائيل).([31])

 

[1]) اختار رئيس تحرير صحيفة معاريف " أمنون دنكنر" عنوانا صارخا لمقالته الافتتاحية باسم : نتنفس الصعداء ، معاريف 12/11/2004.

2) شلحت ، أنطوان ، إعادة اكتشاف ياسر عرفات ، المشهد الإسرائيلي ، العدد 98 ، 28/12/2004 ، ص5.

3) بار ، د.شموئيل ، القيادة الفلسطينية في عهد ما بعد عرفات ، مؤتمر هرتسليا الخامس (ميزان المناعة والأمن القومي) 14/12/2004 ، علما بأن المؤتمر ناقش في العديد من محاوره البحثية والدراسية مرحلة ما بعد عرفات.

4) موسى ، حلمي ، أمراض الآخرين ، المشهد الإسرائيلي ، العدد 94 ، 2/11/2004.

5) المشهد الإسرائيلي ، العدد 95 ، 16/11/2004.

6) هآرتس ، 9/11/2004.

7) القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي ، 12/11/2004.

8) يديعوت احرونوت ، 12/11/2004.

9) العناوين الرئيسية لصحيفة يديعوت أحرونوت ، 12/11/2004.

10) العناوين الرئيسية لصحيفة معاريف ، 12/11/2004.

11) روزنبلوم ، دورون ، بزة عرفات العسكرية ، هآرتس ، 12/11/2004.

12) المرجع السابق.

13) روزنبلوم ، دورون ، بزة عرفات العسكرية ، هآرتس ، 12/11/2004.

14) بوديه ، إيلي ، من سيكون العدو المقبل لإسرائيل ، هآرتس ، 29/11/2004.

15) لم يكن ذلك خطاب الحكومة الإسرائيلية فقط ، بل تماشى معها فريق طويل من المفكرين والمثقفين ، لدرجة أن شخصية مثل يوسي يلين أكد في تعقيبه على وفاة عرفات أن عرفات مسئول إلى حد ما عن نجاح شارون في تكريس مقولة ( اللاشريك) إسرائيليا ودوليا !!

16) المرجع السابق.

17) بيلين ، يوسي ، لقاء مع صحيفة لوموند الفرنسية ، 15/11/2004.

18) مجلي ، نظير ، إسرائيل ما بعد عرفات ، مجلة الطريق ، العدد 15 ، نوفمبر 2004.

19) بوديه ، إيلي ، من سيكون العدو المقبل لإسرائيل ، هآرتس ، 29/11/2004.

20) كيالي ، ماجد ، المعركة ضد ياسر عرفات اختزال للمعركة ضد الفلسطينيين ، 16/11/2004.

21) نحمياس ، روعي ، هل انتصر عرفات على إسرائيل ؟ يديعوت أحرونوت ، 3/11/2004.

22) أفنيري ، شلومو ، يديعوت أحرونوت ، 14/11/2004.

23) فيشمان ، أليكس ، يديعوت أحرونوت ، 22/11/2004.

24) دنكنر ، أمنون ، كان يتوج ويسقط رؤساء حكوماتنا ، معاريف ، 14/11/2004.

25) شيف ، زئيف ، هآرتس ، 5/11/2004.

26) إلداد ، آرييه ، يديعوت أحرونوت ، 8/12/2004.

27) جرايسي ، برهوم ، المشهد الإسرائيلي ، 16/11/2004.

28) بيريس ، شمعون ، تريبيون ميديا سيرفر ، 14/11/2004.

29) شوحط ، اوريت ، هآرتس ، 10/11/2004.

30) فريدمان ، توماس ، معادلة فراغ عرفات ، نيويورك تايمز ، 15/11/2004.

31) ليفي ، أفرايم ، مفتاح الاستقرار الفلسطيني في يد إسرائيل ، هآرتس ، 15/11/2004 .