الصراع مع الفلسطينيين في برامج الأحزاب الإسرائيلية المتنافسة 

  • الإثنين 26 فبراير 2018 07:48 م

الصراع مع الفلسطينيين في برامج الأحزاب الإسرائيلية المتنافسة

 

شهدت الانتخابات الإسرائيلية السابعة عشر للعام 2006 تقاربا ملحوظا في المواقف الحزبية من قضايا الساعة المطروحة، لاسيما فيما يتعلق بالصراع الدائر مع الفلسطينيين منذ أكثر من خمس سنوات مع انطلاق انتفاضة الأقصى، وربما يعود هذا التقارب الحزبي في المواقف السياسية لعدد من الأسباب، فلسطينية وإسرائيلية، أهمها:

  1. نتائج الانتخابات الفلسطينية التي فاجأت الأوساط الإسرائيلية، كما أوساط سياسية محلية وإقليمية ودولية، وخاصة مع ترؤس حركة حماس للحكومة الفلسطينية بعد حصولها على أغلبية برلمانية في المجلس التشريعي، وبالتالي ضيق مساحات الفروقات بين هذه الأحزاب من حركة حماس.
  2. اقتراب الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي من القضايا الأكثر إشكالا وجدلا، لاسيما فيما يتعلق بالحدود الدائمة والكتل الاستيطانية، وبالتالي انزواء القضايا "التكتيكية" إن صح التعبير، ووصول الطرفين إلى قضايا الحل الدائم، حتى لو لم يتوصلا إلى هذه القضايا من خلال التفاوض.

وبالتالي فقد اقترب المتنافسون في برامجهم الانتخابية من بعضهم البعض، بحيث تشابهت رؤاهم وتصوراتهم المقترحة، من الحلول المفترضة للقضايا العالقة مع الفلسطينيين، علما بأن الحديث في التقارب بين البرامج الانتخابية يدور حول الأحزاب الكبرى الثلاث: كديما، العمل، الليكود.

في هذه العجالة ومن خلال استعراض البرامج الانتخابية للأحزاب الثلاث والمواقف والتصريحات التي أطلقها زعماؤها خلال الدعاية الانتخابية، سنرى حجم التقارب بين هذه البرامج لاسيما ما يتعلق بإدارة الصراع مع الفلسطينيين.

 

أولا: التعامل مع حكومة حماس

لم يعد سرا أن التعامل مع المستجد الفلسطيني الأكثر سخونة على الساحة الإسرائيلية، شكل القاسم المشترك الأكبر بين هذه الأحزاب، وقد برز ذلك على الأقل من خلال الدعاية الانتخابية لحزب الليكود، الذي أخذ يزاود على غريمه كديما، واتهامه بالتساهل مع حماس من خلال عدة إجراءات، أهمها:

  1. السماح بإجراء الانتخابات التشريعية في شرقي القدس بمشاركة مرشحي الحركة.
  2. الموافقة على إرسال المستحقات الضريبية للفلسطينيين خلال يناير 2006، بعد ظهور نتائج الانتخابات التي أظهرت فوز حماس.

ولذلك بادر الليكود بزعامة "بنيامين نتنياهو" إلى اتهام كديما بزعامة "إيهود أولمرت" بدعم حماس والتساهل في محاربتها، من خلال تصوير أولمرت وهو يلبس قبعة حماس الخضراء!([1])

ولذلك فإن موقف الليكود من الحكومة الفلسطينية التي تترأسها حركة حماس يكمن في رفض فكرة "ترويض" الحركة ودفعها نحو الاعتدال، وقد عبر عن ذلك بصورة جلية واضحة أحد رموز الليكود "يوفال شطاينيتس" رئيس لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، الذي أشار إلى أن حماس "جزء من حركة الإخوان المسلمين العالمية، وهي بهذه الصفة حركة إسلامية أصولية تشبه في أيديولوجيتها نظام "آيات الله" في إيران".([2])

ويعتقد حزب الليكود أن حماس مثلها مثل باقي الحركات الإسلامية التي يمكن أحياناً أن تتغير تكتيكياً وبصورة مؤقتة، لكنها لن تتخلى أبداً عن الأيديولوجية الكامنة في صلب جوهرها، لذلك يعتقد الليكود بأنه لا يجوز لإسرائيل أبداً القبول بدولة "حماس" مسلحة إلى جانبها، والتي ستكون بشكل طبيعي في تحالف وثيق مع إيران حسب زعمه، حتى وإن أظهرت زعامة الحركة مرونة براغماتية في الطريق إلى هدفها النهائي المتمثل بتدمير إسرائيل.

ولعل الموقف الأكثر وضوحا لحزب الليكود في التعامل مع حكومة حماس القادمة جاء معبرا عنه زعيمه "نتنياهو"، حين قدم للبرنامج الانتخابي للحزب بقوله: "يجب علينا أن نعمل ونتحرك، لأن ضعف السلطة الفلسطينية وصعود حماس يشكلان خطرا علينا، في غزة يتمثل الخطر في صعود "دويلة إرهاب" بقيادة حماس، وفي "يهودا والسامرة" الضفة الغربية يتمثل الخطر في إمكانية قامة دولة "إرهاب حماسية" أكبر، تتبنى نموذج غزة، وتهدد القدس وتل أبيب والبلاد بأكملها".([3])

حزب الليكود بهذا الطرح المتطرف من التعامل مع قيادة فلسطينية منتخبة متمثلة بحركة حماس يختلف عن  منافسه حزب كديما الذي لم يعر انتباها كثيرا في اختلاف القيادة الفلسطينية، سواء كانت بزعامة فتح سابقا، او حماس حاليا، من خلال التوضيح أكثر من مرة أن إسرائيل بينت شروطها للحوار مع أية زعامة فلسطينية وهي: وقف العنف، وتجريد المنظمات الفلسطينية من سلاحها، والالتزام بالتعهدات والاتفاقيات الموقعة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، والاعتراف بدولة إسرائيل، وحذف البنود التي تدعو في ميثاق "حماس" إلى إبادة إسرائيل.

وقد أشار إلى هذا عدد من قيادات الحزب، كان أبرزهم "آفي ديختر" رئيس جهاز الشاباك السابق، الذي قدم طرحا تتعهد بموجبه السلطة الفلسطينية – أيا كانت- بخارطة الطريق وبضمانات دولية بسلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد، وكل من لا يحرص على تنفيذ هذا التعهد إنما يضعف دولة إسرائيل والاتفاقيات الموقعة بضمانة دولية.([4])

من جهته فقد أبدى حزب العمل – على الأقل من خلال اللقاءات التلفزيونية التي كانت تبثها القنوات الإخبارية الإسرائيلية- مرونة ملحوظة في إمكانية أن تحاور إسرائيل حكومة حماس، مع التزام الأخيرة بالشروط التقليدية التي أعلنتها حكومة أولمرت صباح الخميس الموافق السادس والعشرين من يناير 2006، فور الإعلان عن فوز حماس بالأغلبية البرلمانية، وهي:

  • الاعتراف بوجود دولة إسرائيل كدولة للشعب اليهودي.
  • نزع الحركة لسلاحها وتوقف كل أعمال العنف.
  • الالتزام الكامل بالاتفاقيات الموقعة بين السلطة الفلسطينية والحكومات الإسرائيلية منذ اتفاق أوسلو.

في هذه الحالة، وفي الوقت الذي تبدي فيه حماس التزاما معلنا، يؤكد حزب العمل أنه لن يبقى من سبب يمنع اعتبار حماس أهلاً للحوار في إطار مفاوضات تجري في نطاق خارطة الطريق.([5])

حزب العمل بالمناسبة، ورغم عدم ممانعته في التفاوض وإجراء الحوار مع حكومة حماس- فيما لو التزمت بشروط خارطة الطريق- إلا أنه يبدي حماسا واضحا للتحرك بشكل مستقل نحو الانفصال عن الفلسطينيين، وصولا إلى خلق واقع سياسي يقوم على أساس دولتين لشعبين، الفلسطيني والإسرائيلي، وفي نطاق هذا التحرك المستقل يتعين على إسرائيل الإسراع في بناء الجدار الأمني، وتطبيق قانون الإخلاء والتعويض على المستوطنين القاطنين شرق الجدار، وذلك بغية تمكينهم من "العودة إلى البيت بكرامة".([6])

ثانيا: تطبيق المزيد من خطط الانفصال

حزب كديما كان واضحا منذ البداية برغبته في استنساخ تجربة الانفصال أحادي الجانب من قطاع غزة في الضفة الغربية، أو بعض أجزائها على أقل تقدير، ولذلك فقد تصدرت هذه الخطة البرنامج الانتخابي للحزب، لاسيما وأنه يعتقد أن المهمة المركزية أمام الحكومة الإسرائيلية القادمة تكمن في تحديد خطوط حدود آمنة ودفاعية توفر أقصى الأمن لمواطني إسرائيل، هذه الخطوط الحدودية ستشمل حسب البرنامج الانتخابي للحزب([7]) كتل الاستيطان ومناطق الأمن ومن ضمنها غور الأردن، والمحافظة على القدس موحدة وضمان أغلبية يهودية في دولة اليهود.

قيادات الحزب المرشحة للانتخابات وخاصة أولمرت وديختر وبيريس، يؤكدون أن هذه الخطوة ستتم من منطلق الرغبة في تقليص الاحتكاك بين أفراد قوات الأمن والمواطنين الإسرائيليين وبين السكان الفلسطينيين، وضمان أمن الإسرائيليين، مع التشديد على أن هذه الحدود الأمنية لن تمس – حسب تصريح لشاؤول موفاز- بقدرة الجهات الأمنية الإسرائيلية على العمل ضد المقاومين الفلسطينيين في الضفة الغربية، بمعنى أكثر وضوحا فإن الإخلاء الأحادي الجانب يتعلق بمواطنين إسرائيليين فقط، وليس بالانتشار والاستعداد وحرية الحركة لقوات الأمن الإسرائيلية، خلافاً لما تم في قطاع غزة.([8])

هذا الموقف الانفصالي يعارضه بشدة حزب الليكود، لذات الأسباب التي أعلنها فور تنفيذ خطة الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة في سبتمبر 2005، من حيث أنها ترسخ الاعتقاد الفلسطيني بأن هذا الانسحاب إنما هو هروب إسرائيلي حتمي تحت ضربات المقاومة!

مع ذلك، فإن الليكود – وحسب تصريح لنتنياهو- لا يعارض أن يقتصر الإخلاء المتوقع من الضفة الغربية في هذه المرحلة فقط على مواقع الاستيطان غير القانونية، كما أن تخفيف وتقليص القيود والحواجز أمام حرية تنقل الفلسطينيين، أمر مشروط بأن تعمل السلطة الفلسطينية بالقوة وبشكل حازم على وقف الجماعات المسلحة وتفكيك قواعدها.

وبين الليكود وكديما يتخذ العمل موقفا مبدئيا معارضا لأي إخلاء قسري من جانب واحد لا يتم في نطاق فكرة واضحة للانفصال عن الفلسطينيين، ويتوافق هذا الرفض مع الموقف السياسي المعلن للحزب بمعارضة نقل مناطق إلى سيطرة فلسطينية طالما أنها لا تتم في إطار عملية انفصال سياسي واضحة، الأمر الذي يتعين على الحكومة الإسرائيلية التي ستستلم السلطة صباح الأربعاء 29/3/2006 وضع هدف سياسي يقوم على دولتين توجد بينهما خطوط حمراء واضحة:

  • عدم عودة أي لاجئ فلسطيني إلى إسرائيل في إطار أية عملية سياسية.
  • ضم كتل المستوطنات الكبيرة إلى إسرائيل.

 

ثالثا: تقييم الحرب مع الفلسطينيين

          احتلت الانتفاضة وملاحقة قوات الاحتلال لقوى المقاومة حيزا كبيرا في برامج الأحزاب والدعاية الانتخابية الإسرائيلية، بحيث أخذت الأحزاب تزاود على بعضها من حيث اتهامها للحكومات المتعاقبة خلال سنوات انتفاضة الأقصى بالفشل الذريع في وقف مد الانتفاضة، والتراجع المريع في إجراءاتها الأمنية ضد المقاومين، رغم ما قد يبدو نجاحا هنا وإنجازا هناك.

          حزب الليكود الذي ينظر إلى حكومة كديما القائمة حاليا وزعامته المنهكة في غرفة الإنعاش في مستشفى هداسا، بنظرة ملؤها الازدراء والإقرار بالفشل المدوي لها، وعلى حد قول أحد مرشحي الليكود فإن إسرائيل كسبت معركة لكنها خسرت حرباً في صراعها الدائر مع الفلسطينيين.

ويجتهد خصوم كديما من رموز الليكود والمعسكر اليميني المتدين في إثبات هذه الحقيقة الأمنية، من خلال عقد مقارنة بين حرب إسرائيل ضد حركة حماس، والحرب الأميركية ضد تنظيم القاعدة، على النحو التالي:

  1. من الناحية التكتيكية: نجد أن إنجازات الجيش الإسرائيلي و"الشاباك" في مجالات الاستخبارات والدِقة، والحدِّ من الخسائر كانت بصورة عامة أفضل من إنجازات الولايات المتحدة وبريطانيا في أفغانستان، فقد نجحت إسرائيل في الوصول إلى صورة استخبارات جيدة إزاء حماس، وحتى اغتيال وتصفية قيادات في زعامة الحركة، وهو ما مُني فيه الأميركيون بالفشل ضد القاعدة. 
  2. ولكن عند النظر إلى الصورة الشاملة تتكشف للإسرائيليين أمور مغايرة تماماً، إذ فقدت منظمة "القاعدة" قواعدها في أفغانستان، وفقدت قدرتها على التجنيد، وعلى تعبئة وتدريب آلاف الشبان المسلمين، وتعرضت في الوقت ذاته إلى ضربة قاسية، بما في ذلك زوال الركيزة السياسية للتنظيم والمتمثلة بنظام طالبان، في المقابل نجد أن حركة حماس أقامت في قطاع غزة بعد الانفصال قواعد تدريب علنية تدرب فيها آلاف المتطوعين الشبان، وصناعة صواريخ وتطوير أسلحة بصورة شبه علنية، كما تعززت المكانة السياسية للحركة نتيجة للخطأ الفادح الذي ارتكبه أولمرت عندما سمح بإجراء الانتخابات بمشاركة حماس. 
  3. كما حصل في حالات سابقة في التاريخ، فقد أخفق المستوى السياسي الإسرائيلي في ترجمة التفوق العسكري إلى نصر في الحرب، ولعل العزاء الوحيد هو في أنه ما زال بالإمكان، عبر سلوك أو تصرف أكثر حكمة وشجاعة، كبح جماح حماس وما تشكله من تهديد لعمق الدولة الإسرائيلية.([9])

في المقابل، يحاول كديما تفنيد هذه المقارنات باعتبارها غير موضوعية ولا تتلاءم مع الواقع المعاش، في ضوء أن محاربة الجماعات المسلحة هي محاربة مكثفة، يومية، متطورة ومتقدمة، وكما أسماها موفاز فإنها سباق ماراثوني طويل، وليس عدوًا لمسافات قصيرة، وقد تخطت إسرائيل العوائق التي وضعها في طريقها أولئك الذين يتربصون بها، وهي من الدول المتصدرة للكفاح العالمي ضد تلك الجماعات.

ويزعم كديما أن محاربة إسرائيل لقوى المقاومة الفلسطينية كلَّفت ثمناً باهظاً، ومع ذلك فإنها نجحت في الحد من حجمها وحرمتها من تحقيق الهدف الأكثر أهمية وهو فقدان الشعور بالأمن لدى الشعب، وهذا إنجاز مهم جداً لأجهزة الأمن الإسرائيلية، وربما أكثر من ذلك للمجتمع الإسرائيلي، وبهذا المنظور يمكن القول-يروج منظرو كديما-  إن الذراع الإسرائيلية تغلبت على سيف المقاومة الفلسطينية! 

وفي محاولة للرد على كل الاتهامات الموجهة للحزب في إخفاقه في الرد على المقاومة الفلسطينية، لاسيما الصواريخ المتلاحقة ليل نهار على المستوطنات المجاورة لقطاع غزة، تشير مواقف كديما إلى أن خطأ دولة إسرائيل يكمن في أنها لم تقم، في موازاة بناء الجدار الأمني حول منطقة قطاع غزة عام 1994، ببناء جدار مشابه في الضفة الغربية حتى العام 2003، وهذا الخطأ شاركت فيه حكومات العمل والليكود على السواء!

إلا أن حزب العمل يتخذ لنفسه موقفا وسطا بين هذه الاتهامات المتبادلة بين "أصدقاء الأمس أعداء اليوم"، فـ"العمل" يعتقد ان النصر الإسرائيلي المفترض يعني خلق واقع سياسي أفضل، واقع تكون فيه إسرائيل دولة الشعب اليهودي الديمقراطية والآمنة، التي تقف في طليعة العالم المتقدم على صعد التعليم والاقتصاد والمجتمع ومستويات الفساد، إلا أن فوز حماس في الانتخابات الأخيرة في المجتمع الفلسطيني يُشكل شهادة على حقيقة ابتعاد إسرائيل عن ذلك الواقع، فضلاً عن حقيقة أن إسرائيل باتت، من حيث المقاييس العالمية التي تقارن بها نفسها مع باقي العالم في منجزات التعليم ومعدلات الفقر والمداخيل والفساد، في أسفل قائمة الدول المتقدمة عالمياً، وهي في اتجاه التدهور نحو العالم الثالث! حكم قاس ...أليس كذلك؟ 

ويتابع الكثير من منظري حزب العمل لاسيما متان فلنائي، وبنيامين بن أليعازر، وعامي أيلون، أن النصر لا يُقاس بعدد المرات التي احتل فيها الجيش الإسرائيلي مدن رام الله وجنين ونابلس، أو بعدد عمليات الإحباط التي قام بها الشاباك، ويتجه موقف العمل في هذا المحور يسارا باتجاه مواقف "ميرتس" من حيث الاعتراف بالخطأ الجسيم الذي ارتكبته حكومات إسرائيل خلال السنوات الخمس الأخيرة، الذي يتمثل بالأساس في الفهم المغلوط للهدف السياسي، وفي الاستخدام الخاطئ للقوة العسكرية المتاحة للدولة.

 

رابعا: مستقبل المواجهة مع الفلسطينيين

لم تتوقف التحليلات السياسية والعسكرية طوال الفترة الماضية التي تلت فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية عن التكهن باقتراب موجة المواجهة العسكرية القادمة، حيث أطلقوا عليها اسم "الانتفاضة الثالثة" ولكن هذه المرة ستكون انتفاضة صواريخ وراجمات وقذائف، وربما في هذا المحور بالذات تقاربت المواقف كثيرا بين الأحزاب الرئيسة المتنافسة.

فقد عبر الليكود أكثر من مرة عن ضرورة التصدي للمقاومة الفلسطينية وجهودها المتواصلة لتطوير قدراتها العسكرية، رغم ما قد يلحق بالمدنيين الفلسطينيين من أذى شديد، وكما يقول جنرالات الحرب الإسرائيليين: الحرب هي الحرب، وبالتالي فإنه قد يصاب في الحرب مدنيون، ويعاني المجتمع بأكمله مع الأسف، ولكن واجب الدولة في الدفاع عن وجودها وعن حياة مواطنيها يزداد، الأمر الذي يجب ألا يوقفها عن اتخاذ تلك الإجراءات.

وربما كان حزب العمل أكثر تطرفا في ذلك، حيث تعتقد معظم الوجوه الأمنية في الحزب بالقاعدة العسكرية القائلة: من يسعَ إلى قتلك، سارع إلى قتله!! هذا بنظرهم واجب أخلاقي يجب أن يكون الأساس والمنطلق لعمل الجيش ضد الجماعات الفلسطينية المسلحة، مع ضرورة الامتناع قدر المستطاع عن العقاب الجماعي الذي يشوّش الحياة اليومية للمجتمع الفلسطيني، وفي الوقت ذاته الإسراع في بناء الجدار، وخلق فصل من خلال إقامة معابر على امتداد الجدار، وفتح الجسور والمعابر إلى الأردن ومصر، والامتناع قدر الإمكان عن إقامة حواجز ونقاط مراقبة وتفتيش بين التجمعات الفلسطينية.

ولا يبتعد كديما كثيرا عن هذه المواقف من حيث أن إسرائيل دولة ملزمة بالحفاظ على أمن وسلامة مواطنيها، وبالتالي يقدم مرشحو الحزب وعودا سخية للناخب الإسرائيلي بأن حكومة برئاسة أولمرت ستمضي في طريق شارون، وتضع أمن سكان إسرائيل فوق أي شيء آخر!

 

أخيرا... هذه أبرز المواقف الإسرائيلية المعلنة من قضايا الساعة، ورغم أن معظمها يدور في خضم الانشغال بالدعاية الانتخابية وتقديم وعود مجانية للناخب الإسرائيلي، إلا أن جزءا منها وجد طريقه فعليا إلى التنفيذ بصورة واضحة لاسيما فيما يتعلق بالتصعيد العسكري غير المبرر ضد الفلسطينيين مؤخرا، وهو أمر يتجاوز ابتزاز اللحظة الانتخابية إلى كونه عرفا ونهجا إسرائيليا دائما وليس موسميا أو انتخابيا! 

 

الهوامش:

1) سبق وأن استخدمت الأحزاب اليمينية هذه العادة في دعايتها الانتخابية، فقد قامت الماكنة الدعائية لأحزاب اليمين بإلباس شارون كوفية ياسر عرفات، للدلالة على التنازلات التي قدمها للفلسطينيين!! وهكذا بغياب عرفات استبدلوا كوفيته بقبعة حماس الخضراء!

2) هآرتس، 25/2/2006

3) موقع حزب الليكود: www.likud.org.il

4) يديعوت أحرونوت، 2/3/2006

5) موقع الحزب على الانترنيت: www.avoda2006.org.il

6) أبرز من استخدم هذا المصطلح كان الجنرال عامي أيلون أبرز زعماء حزب العمل، ورئيس الشاباك السابق.

7) المشهد الإسرائيلي: almash-had.madarcenter.org

 8) معاريف، 5/3/2006

9) هآرتس، 25/2/2006