المواقف السياسية والرأي العام الإسرائيلي خلال الحرب على غزة

  • الإثنين 15 يناير 2018 04:55 م

المواقف السياسية والرأي العام الإسرائيلي خلال الحرب على غزة

انتهت عملية "الرصاص المسكوب"، لكن جزءا كبيرا من الحقائق لم يعلن عنها بعد، وما زالت تنتظر المزيد من الوقت للكشف عنها بفعل طبيعتها السرية، ومع ذلك فبإمكاننا التطرق لقضيتين مركزيتين:

الأولى: تطور العمليات الميدانية، وطبيعة العلاقة بين المستويين السياسي والعسكري في إسرائيل،

الثانية: نتائج العملية، بمعنى: بأي مستوى تم تحقيق أهدافها؟

  • تطور العمليات الميدانية

جمل ثلاث شكلت أهمية خاصة لدى كلا المستويين، السياسي والعسكري في إسرائيل، وبقيت سائدة خلال فترة الحرب الأخيرة، هي:

  1. الهدف: ما الذي تريد إسرائيل تحقيقه؟
  2. المهمة: ماذا عليها أن تفعله، من أجل تحقيق ذلك الهدف؟
  3. الطريقة: كيف يمكن تنفيذ تلك المهمة؟

ولكن إذا تحدثنا عن أهميتها بالنسبة لمستوى مثل هيئة الأركان العامة، فإن ذلك يتطلب منها نظرة إضافية، لاسيما في ضوء القناعات السائدة من أن الجملتين الثانية والثالثة خاصتان فقط بالمستوى العسكري، فيما الجملة الأولى مناطة مسئولية تحديدها أساسا بالمستوى السياسي، الذي تطلب منه تحديد أهداف العملية، ومن ثم السماح بتحقيقها خلال مجريات الحرب.

وفي حال كانت أهداف العملية غير واضحة بما فيه الكفاية، فإن ذلك من شأنه حتما عدم القدرة، وربما المس بصورة كبيرة، في قدرة الفعل العسكري على تحقيق جدواه وفعاليته.

حرب لبنان الثانية كانت مثالا جيدا لفقدان جدوى العمل العسكري، الذي أسفر أساسا عن عدم الوضوح في تحديد طبيعة أهدافها منذ اللحظات الأولى لانطلاق الحرب.

في هذه المرة، ترى أوساط إسرائيلية أن عملية الرصاص المسكوب تمكنت من تحسين العمل في هذه الناحية بالذات، فقد توفر لدى مستويات صنع القرار المختلفة أهمية فائقة لتحديد الأهداف الخاصة بهذه العملية منذ بداياتها الأولى.

وفي فترة لاحقة، ليست متأخرة جدا، ظهرت الإرادات من قبل البعض لتحديد أكثر دقة وتفصيلا لبعض الأهداف، بصورة أكثر وضوحا، لكي يمكن من السهل تنفيذها.([1])

طبيعة تحديد أهداف العملية أخذ وقتا طويلا ولحظات مرهقة، ولذلك فقد أضر هذا كثيرا بالعملية، من خلال "التأخير" في البدء بها لفترة أسبوع واحد على الأقل.

فقد بدأ الأمر بتحديد هدف عام وكبير، جاء في صلبه "إحداث واقع أمني جيد"، بكلمات أخرى: الرغبة بأن يكون الواقع أكثر تحسنا، ولذلك فإن تعبيرا كهذا لا يمكن أن يصلح ليشكل هدفا قابلا للتنفيذ، الأمر الذي تطلب ثلاثة أيام بعد انطلاق الحرب من النقاش الجاد والساخن لأن يتم تحديد أهداف أكثر دقة لهذه الحرب، وتركز هذا النقاش حول ثلاث فرضيات أساسية:

  1. فرضية الحد الأدنى: التي تطلعت لأن تحقق هذه العملية وقفا لإطلاق النار لمدة طويلة، وستعتمد هذه المرة على الردع،
  2. فرضية المدى المتوسط: التي انطلقت من حتمية تحطيم القوة العسكرية لحركة حماس في غزة،
  3. فرضية الحد الأقصى: التي أبدت رغبتها الجامحة بإزالة حكم حماس نهائيا في غزة، وإيجاد واقع "سياسي" جديد، فضلا عن الواقع الأمني طبعا.

كما بات معروفا، فقد جاء القرار بالصورة الأكثر وضوحا وغير القابلة للنقاش بتبني فرضية الحد الأدنى، واستغرق اتخاذه مدة أسبوعين من انطلاق العملية، مما أدى لإطالة فترتها.

وبالتالي فإن الرأي القائل بأن هذا الهدف المقلص، يتطلب تنفيذ عملية برية، فإن هذا الزعم وجد نفسه في النقاشات والمداولات بعد يومين وثلاثة أيام.

نقاش آخر هام أخذ طريقه بذات السخونة، واستغرق وقتا طويلا بدون سبب يذكر، تعلق بـ"المهمة"، فقد تحدد الهدف الثاني للعملية، الذي حدد أيضا مع بدايتها، وكان متفقا عليه بعد عدة أيام من قبل كل المستويات، وتعلق أساسا بقضية تهريب الأسلحة من مصر، وبالتالي جاءت الصياغة على النحو التالي: الهدف الثاني هو منع ظاهرة تهريب الأسلحة.([2])

الجدل الحاد أثير حول طبيعة تنفيذ المهمة، وليس حول الهدف كما كان سابقا، وقد طرحت في النقاشات فرضيتان أساسيتان:

  1. لا معنى إطلاقا لمنع ظاهرة تهريب الأسلحة دون أن تسيطر إسرائيل كليا على محور فيلادلفيا.

وحسب هذه الفرضية، كان يجب على الجيش الإسرائيلي اتخاذ قرار يقضي بالسيطرة على المحور، وربما على مدينة رفح بكاملها إن تطلب الأمر، والبقاء هناك فترة من الزمن.

وبنظر من يدعمون هذه الفرضية، فإن عملية الرصاص المسكوب تشكل فرصة تاريخية لتصويب الخطأ الفادح الذي ارتكبته إسرائيل قبل ثلاث سنوات عند إخلاء المحور، حين قررت الانسحاب من غزة ضمن خطة فك الارتباط.

  1. الفرضية الثانية زعمت أن الهدف المتمثل بمنع تهريب الأسلحة إلى غزة، يجب أن يتم تحقيقه من خلال وسائل سياسية، وليس عسكرية.

وقد استغرق النقاش في هاتين الفرضيتين مدة أسبوعين من فترة الحرب، إلى أن تم تبني الفرضية الثانية من قبل صناع القرار.

في كلا الموضوعين محل النقاش، كان من الممكن، بل ومن الواجب، اتخاذ القرار بشأنهما قبيل انطلاق العملية العسكرية، وليس خلالها، ولا يعني ذلك إطلاقا أنه من المحظور تغيير بعض أهداف الحرب خلال مجرياتها الميدانية، حسب تطورها على أرض الواقع، ولكن لا يجب أن يحصل ذلك بصورة معتادة.

يتعزز هذا الرأي أكثر فأكثر، إذا علمنا أن نتائج العملية العسكرية، سواء في شقها الجوي، أو البري، كانت متوقعة ومعروفة مسبقا، ولذلك لم يكن مبررا أن تؤثر على طبيعة الفرضيتين اللتين تم مناقشتهما خلال أيام الحرب.([3])

وفي فرق جوهري عن حروب الماضي، فإن النتائج التي تسفر عنها أرض المعركة، هي التي يجب أن تحدد، وفي بعض الأحيان بصورة حصرية، النتائج السياسية، فإن الوضع في هذه العملية اختلف كثيرا عن سابقه.

الحل السياسي، وهو جوهر العملية، بدا أنه غير متجانس مع ما أسمته أوساط عسكرية إسرائيلية "النجاحات التكتيكية" التي أنجزت في الميدان، لأنه لم يكن من المنطقي منذ البداية، أن تناقش المستويات السياسية والدبلوماسية كيف يمكن أن تنتهي العملية، بعد أربعة أيام على انطلاقها، بل كان يجب أن يطرح هذا السؤال قبل أربعة أشهر على الشروع فيها!

النقاش في تلك الفترة الزمنية قبل اندلاع الحرب كان سيوفر للدبلوماسية الإسرائيلية فرصة زمنية لكي توضح ما الذي تريده، كما كان من الممكن التنسيق مسبقا مع الولايات المتحدة طبيعة النهاية المتوقعة لهذه العملية، وبالتالي أن توفر إسرائيل على نفسها "خيبة الأمل" التي حصدتها في نقاشات مجلس الأمن، لاسيما حدة النقد الذي وجه إلى وزيرة الخارجية "تسيبي ليفني" بسبب ما قيل أنه إخفاق دبلوماسي أدى في نهايته إلى إصدار مجلس الأمن للقرار 1860، واعتبرته إسرائيل مجحفا بحقها.([4])

  • نتائج العملية

في نهاية النقاشات العاصفة في أروقة الحكومة والجيش الإسرائيليين، تم تحديد ثلاث أهداف رسمية للعملية:

  1. الهدف الأول: الوصول إلى مرحلة من الهدوء تستغرق وقتا طويلا،
  2. الهدف الثاني: منع حركة حماس من إعادة التسلح من جديد،
  3. الهدف الثالث: استعادة "جلعاد شاليت"، وقد تم وضع هذا الهدف مع إشراف العملية على النهاية.

فيما يتعلق بالهدف الأول الساعي لإيجاد حالة من الهدوء تأخذ وقتا طويلا، ترى أوساط إسرائيلية نافذة أنه يمكن القول أن الهدف في الطريق إلى التحقق بفعل قوة العنف الإسرائيلية، التي اتضحت خلال الحرب، ولكن ليس من الحكمة أن ينسب هذا الهدوء إلى القوة العسكرية فقط.

الهدف الثاني الساعي لوقف ظاهرة تهريب الأسلحة من مصر إلى غزة، لا ترى إسرائيل أنه تم فعلا، لأنه لا صلة تقريبا بين الممارسات العسكرية للجيش في غزة، وبين هذه الظاهرة، ولأن الحل النهائي لهذه القضية منوط أساسا بالرغبة المصرية وفقا لمصادر إسرائيلية، كيف ذلك؟

أولا: استمرار الوضع المتمثل في مواصلة حماس للمس بالإسرائيليين من جهة، واستمرار إسرائيل ذاتها بالمس بعناصر حماس، أمر لا يقلق مصر على الإطلاق، طالما أن الأمر يسير على "نار هادئة"،

ثانيا: ظاهرة تهريب الأسلحة، تتسبب بمصدر ثراء للكثير من الأطراف والجهات، بدءا بزعماء القبائل البدوية في تلك المناطق، وصولا إلى القادة العسكريين المصريين.

وبالتالي تسأل إسرائيل هذا السؤال: كيف يمكن في ظل نتائج العملية العسكرية إقناع مصر بضرورة تغيير موقفها من هذه الظاهرة؟ لدى إسرائيل رافعة أساسية تستطيع تفعيلها، وهي المعابر مع غزة.([5])

حيث تستطيع إسرائيل التلويح بقوة في مسألة المعابر بينها وبين غزة، وفي ضوء ذلك، توافق بعكس مصلحتها، على افتتاح المعابر لحركة الأفراد والبضائع بصورة كاملة، إذا ضمنت إغلاقا نهائيا للحدود المصرية مع غزة، كعملية إجرائية لوقف ظاهرة التهريب.

وإذا وافقت مصر على تغيير نهجها في التعامل مع قضية التهريب، ترى إسرائيل أنه يجب الطلب منها منع الحركة غير القانونية للأفراد والبضائع في تلك المنطقة الحدودية، ليس المقصود طبعا محور صلاح الدين، فهو بالأساس ممر فرعي يوجد على جانبيه، الفلسطيني والمصري، بيوت عديدة، وسكان يقطنون في كلا الاتجاهين.

وفي ضوء هذه الجغرافيا المعقدة، والديموغرافيا المتزايدة، لا يمكن بحال من الأحوال النجاح في وقف ظاهرة التهريب، ولن تساعد التكنولوجيا الألمانية، ولا التدريب الأمريكي، والقوات الأوروبية، نظيرتها الإسرائيلية في منع تزود حماس بالأسلحة اللازمة.

هناك مقترح قدمه جنرالات إسرائيليون يقول بأن مصر تستطيع – لو أرادت- تحديد "منطقة أمنية" بعمق خمسة كيلومترات جنوب محور صلاح الدين، هذه المنطقة الخالية من البيوت والسكان، يمكن فيها إقامة جدارين يبعدان عن بعضهما كيلومترين اثنين، والتعهد بعدم مرور أي إنسان بينهما، وهذه المنطقة الأمنية تستطيع تحديد طريق واحد تقام فيها بوابات مكشوفة، مع مراقبين مزودين بتكنولوجيا متقدمة، وهكذا يمكن للمصريين وقف التهريب، لو أرادوا.([6])

أحد الأمور ذات الصلة بهذا الموضوع هو الاتفاق الذي تم توقيعه بين إسرائيل والولايات المتحدة، قبيل يومين فقط من وقف إطلاق النار ميدانيا، وحسب هذا الاتفاق، ستعتني الولايات المتحدة بوقف ظاهرة تهريب الأسلحة الذي يصل غزة قبل أن يصل إلى سيناء.

هذا الاتفاق السياسي، تبقى جدواه الميدانية العملية مشكوك فيها كثيرا، إذا نظر إليه على أنه البديل للحل الحقيقي لظاهرة التهريبات.

الهدف الثالث، المتعلق باستعادة جلعاد شاليت، لم يحدد طوال مراحل الحرب كأحد أهدافها المركزية، لكن بعض الأطراف السياسية اهتمت بإدراجه ضمنها، ومع ذلك، وفي ضوء الضغط الشعبي تم إضافته لقائمة المطالب التي أعلنتها إسرائيل.

حتى اللحظة، ورغم فشل المفاوضات حول الصفقة الموعودة، يرى إسرائيليون أنه يمكن الافتراض بأن إسرائيل تستطيع استعادة جنديها الأسير بـ"ثمن معقول"، من خلال إطلاق سراح أسرى حركة حماس، إن أرادت ربطه بقضية المعابر، وفي كل الأحوال، قد يبقى الموضوع معلقا حتى إشعار آخر لاسيما في ظل وصول حكومة اليمين.

  • تقييم السياسي والعسكري

على المستوى العسكري، فإن عملية الرصاص المسكوب كانت ناجحة نسبيا إن تم مقارنتها بحرب لبنان الثانية، صحيح أن حماس هذه المرة أقل تسليحا من حزب الله، والظروف كانت أكثر تعقيدا، وبالتالي هناك مكان للرضا من التحسن الواضح في طريقة عمل الجيش، والجبهة الداخلية، والسلطات المختصة.

كما يمكن الاستنتاج أن عددا من توصيات لجنة "فينوغراد"([7])، على الأقل فيما يتعلق بآلية اتخاذ القرارات، تحسنت كثيرا، ووجدت طريقها للتنفيذ، فضلا عن طبيعة تحديد أهداف العملية.

ومع ذلك، فإنه في المجال السياسي، بدأت المعركة السياسية في العمل متأخرة، ولم تكن منسجمة وملازمة لمراحل العملية العسكرية، وتم إدارتها بصورة منفردة من قبل جهات مختلفة: وزارة الحرب مقابل مصر، رئيس الحكومة ووزيرة الخارجية أمام أطراف دولية أخرى.

وإلى جانب السلوك العسكري الذي تحقق، فقد أصيبت الجهود السياسية ببعض الانتكاسات: تصريح وزير الخارجية الفرنسي، الخصومة التي وقعت مع الأتراك، النقاش الذي جرى في مجلس الأمن، والحادث المخجل بين أولمرت ووزيرة الخارجية كوندليزا رايس.([8])

علما بأنه من المهم التوضيح أن العمل السياسي أكثر تعقيدا من العمل العسكري، ففي المجال الثاني كان هناك على الأقل لاعبان رئيسان: إسرائيل وحماس، وبينهما جرى صراع وصل درجة الصفر.

أما في المجال السياسي، فقد كان هناك لاعبون إضافيون كثر، ومصالحهم السياسية متداخلة ومتضاربة أحيانا، لذلك وبغية الوصول إلى نتائج أكثر نجاعة تشير أوساط إسرائيلية إلى أنه كان يجب التخطيط والتنسيق المسبق قبل اندلاع المعركة، والحديث بصورة يومية بين البدائل المتوفرة، ولذلك من الصعب القول أن ذلك قد تم بالفعل خلال الحرب بصورة ملموسة.

  • الرأي العام الإسرائيلي

قررت الحكومة الإسرائيلية الخروج لتنفيذ عملية الرصاص المسكوب، قبل ستة أسابيع فقط من إجراء الانتخابات التشريعية العامة للكنيست، وحسب مصادر أمنية في إسرائيل، فقد كان ذلك أحد الأسباب الهامة لمفاجأة حماس من توقيت العملية.

وحسب هذه المصادر، فقد قدرت حماس أن إسرائيل لن تخرج لتنفيذ عملية عسكرية، وبالتأكيد بهذا الحجم والاتساع، قبل إجراء الانتخابات، وقبل تشكيل الحكومة الجديدة، علما بأن هذا التقدير لم يكن خاصا بحماس فقط.

محللون إسرائيليون قالوا في الأيام التي سبقت تنفيذ عملية "الرصاص المسكوب" في غزة، أن إسرائيل موجودة عمليا في فترة جمود، ومرحلة توقف عن الذهاب باتجاه أي مبادرات سياسية أو عمليات عسكرية، ولم يتوقع أحد أن حكومة انتقالية ستقوم –في ذروة التحضيرات الانتخابية- بخطوة من هذا النوع.

وبالتالي فإن ذهاب الحكومة، لاسيما بزعامة الحزبين الكبيرين الأساسيين فيها، اللذان يتنافسان مع حزب الليكود لقيادة السلطة، باتجاه العملية العسكرية في غزة، يعتبر قرارا ذو رسالة حزبية بالغة في مثل هذا التوقيت.

فهي ترسل رسالة تفيد أولا وأخيرا أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تملك القدرة على اتخاذ قرارات بمثل هذه الأهمية، حتى في ظل ظروف معقدة، وبالغة التعقيد، كالتي عاشتها إسرائيل.

وكان هناك الكثيرون، بما فيهم شخصيات سياسية في الخارج، قد تيقنوا أن الخروج لهذه الحرب ذو صلة وثيقة بالعملية الانتخابية، وأن صناع القرار فيها أرادوا توجيه الناخب الإسرائيلي باتجاه مواقفهم عند التصويت في صندوق الاقتراع، فضلا عن أن مثل هذه القناعات برزت بصورة جلية في تصريحات الناطقين باسم حركة حماس، وأطراف أخرى تقف مواقف غير ودية تجاه إسرائيل.

وبالتالي كان من الصعب على صانعي قرار العملية العسكرية أن يقدروا طبيعة التأثير المتوقع لها على الانتخابات، كما كان في حسبانهم أن نتائجها قد تكون معاكسة جدا لرغباتهم الحزبية ومواقفهم السياسية.

ومع ذلك، فإن الحسابات الداخلية الحزبية في هذه العملية، كما في كل عملية حربية، كانت عالية وكبيرة: فأهدافها كانت محدودة منذ البداية، ولم يتوقع أحد أن تلبي مطالب الجمهور دفعة واحدة، المتمثلة بإسقاط حماس، أو على الأقل العمل على إحداث اهتزاز في سلطتها في غزة.

كما أن الإنجازات العسكرية المأمولة، وبجانبها السياسية بالتأكيد، لم تكن مضمونة، والمخاطر الماثلة بإمكانية فقدان جنود ومستوطنين، كانت كبيرة، وبالتأكيد يمكن ان تؤثر حتما على قرار الناخب.([9])

ما تقدم من اعتبارات لها تأثير وتبعات هامة على تصويت الناخب الإسرائيلي، وطبيعة توجهات الرأي العام في الدولة، ولذا ليس من الوجاهة بحال من الأحوال تجاهل الرغبة التي كانت لدى مفاصل هامة في الحكومة تطالب بالخروج لهذه العملية، في مواجهة أوساط أخرى أرادت مواجهة هذه الضغوط.

عملية الرصاص المسكوب، امتازت منذ اليوم الأول وحتى نهايتها، بدعم شعبي وجماهيري حاشد من قبل الجمهور اليهودي في إسرائيل، الذي رأى فيها "حربا عادلة"، وذات دلالات هامة، أهمها أنه رأى فيها حرب "اللا خيار"، بمعنى أنه لم يكن أمام الحكومة في حينه أي احتمال آخر سوى اللجوء لتنفيذها، كما منح ذات الدعم لطريقة إدارة الحرب وتفعيل القوة خلالها.

وفي استطلاع للرأي أجري عشية اندلاع العملية العسكرية([10])، قال 81% من الجمهور الإسرائيلي أنهم يدعمون العملية، مقابل 12% أبدوا معارضتهم لها.

طبعا من الضروري هنا الإشارة إلى الخلافات في المواقف والرأي بين اليهود والعرب في إسرائيل، ونظرتهم لعملية الرصاص المسكوب، مما يجعلنا نعتقد بأن الأغلبية الساحقة من عرب 48 عارضوا العملية، وبالتالي وصلت نسبة دعمها في أوساط الجمهور اليهودي إلى 90%.

وبعكس ما كان عليه الوضع في حرب لبنان الثانية، التي تبددت فيها كل معالم الدعم الشعبي والإجماع الجماهيري، لاسيما بسبب القيادة السياسية والإدارة العسكرية للحرب، فقد امتازت عملية الرصاص المسكوب بدعم منقطع النظير.

كما أن الإجماع الحزبي من قبل قادة الحزبين الكبيرين منح العملية سقفا زمنيا مفتوحا لتنفيذها حتى النهاية، مما وفر لصانع القرار الاعتماد بصورة كبيرة في إدارته للحرب على الدعم الشعبي والإسناد الحزبي.

وبالنسبة لما يتعلق بالدعم الذي حظيت به العملية، فإن المعطيات واضحة دون شك أو لبس، ففي استطلاع للرأي أجري في أوساط الجمهور اليهودي في اليوم الخامس للحرب، بتاريخ 31 ديسمبر 2008، أبدى 79% تأييدهم المطلق للعملية، و14% أعلنوا تأييدهم لها.([11])

وفي استطلاع أجري بعد ثلاثة أيام من انطلاق العملية البرية، بتاريخ 6 يناير 2009، أجاب 70% من الجمهور الإسرائيلي أنه يجب مواصلة العملية حتى النهاية، مقابل 20% قالوا أنه حان الأوان لوقف إطلاق النار.([12])

وهنا يمكن القول أن 80% من الجمهور اليهودي أيدوا العملية بدون تحفظ، علما بأن هذه النتائج لم تختلف كثيرا عن تلك التي أعلن عنها قبل الخروج للعملية البرية.

وفي استطلاع أجري يوم 30 ديسمبر 2008، أبدى 81% من الجمهور، وفيه ما يساوي 90% من الجمهور اليهودي بشكل عام، رغبته بمواصلة العملية، مقابل 10% طالبت بوقف إطلاق النار.([13])

وفي استطلاع آخر أجري عقب انتهاء الأسبوع الثاني للعملية، بتاريخ 8 يناير 2009، أبدى 91% من الجمهور اليهودي دعمهم للعملية، مقابل 4% فقط أعلنوا معارضتها.([14])

هذه الصورة من الدعم المطلق للجمهور اليهودي لهذه العملية، تكررت تقريبا بذات الدراسة التي أعدها مركز "تامي شتاينمتس" حول مقياس "الحرب والسلام"، فقد أجرى استطلاعا بين يومي 4-6 يناير 2009، جاءت فيه النتائج على النحو التالي:

  • 94% من الجمهور اليهودي قالوا أنهم يؤيدون العملية، أو يؤيدونها بقوة،
  • 92% قالوا أنها تحمل نتائج جيدة لأمن إسرائيل،
  • 92% أبدوا رضاهم عن الضربة الجوية التي وجهها سلاح الطيران،
  • 70% قالوا بأن إدخال قوات برية إلى غزة أمر اضطراري،
  • من الجدير بالذكر القول أن نتائج ذات الاستطلاع في أوساط الجمهور العربي كانت مغايرة كليا، حيث أبدى 85% منهم معارضتهم التامة للعملية.([15])

وكلما اقتربت العملية من نهايتها، بدأ الجمهور الإسرائيلي يشير إلى تراجع في ثقته لها، لكن الأغلبية الساحقة بدت تمنح تأييدها لها.

ففي استطلاع أجري بتاريخ 13 يناير 2009، أجاب 62% من الجمهور الإسرائيلي، الذي يشكل الجمهور اليهودي ما نسبته 70% منه بصورة إجمالية، أنه يجب مواصلة تنفيذ العملية حتى النهاية، مقابل 26% من الجمهور طالبت بالوصول إلى وقف لإطلاق النار.([16])

وبالنظر لتقييم الجمهور الإسرائيلي لنتائج العملية، كان هناك ما يشبه الإجماع في أوساطه، فقد أجري استطلاع بتاريخ 13 يناير 2009، قبل أربعة أيام فقط من إعلان وقف إطلاق النار، أشار إلى أن 78% من إجمالي الجمهور يرون في عملية غزة أنها ناجحة، مقابل 9% فقط رأوا فيها فاشلة، و13% قالوا أنهم لا يعرفون.([17])

82% أجابوا إجابة سلبية حين سئلوا السؤال التالي: هل أن إسرائيل استخدمت قوة مبالغا فيها، مقابل 13% أجابوا بصورة إيجابية، ويمكن الافتراض أنه في أوساط الجمهور اليهودي كانت نسبة جارفة قدمت الإجابة الإيجابية.

وفي الاستطلاع الذي أجري في ذات الوقت، جاءت النتائج على النحو التالي:

  • بالنسبة لنتائج العملية العسكرية قال 82% أنها جيدة جدا، و12% قالوا أنها جيدة،
  • بالنسبة للعمل السياسي الذي واكب العملية قال 25% أن نتائجها جيدة جدا، و35% قالوا أنها جيدة،
  • فيما يتعلق بأداء الجبهة الداخلية قال 85% بأنه أداء جيد جدا، و28% أداء جيد.([18])

وجاءت نهاية العملية دون أن تقدم إجابات شافية على توقعات وآمال قسم كبير من الجمهور، علما بأن القيادة السياسية، وكجزء من دروس واستخلاصات حرب لبنان الثانية، لم ترفع من سقف توقعات الإسرائيليين بشأن نتائج الحرب.

ومع ذلك، فإن نهايتها أتت بوضع أفضل بكثير مما كان عليه الوضع بعد نهاية حرب لبنان الثانية، على الأقل كان التعامل الشعبي الإسرائيلي سلبيا، مع القرار الدولي 1701، الذي أعلن وقف إطلاق النار وانتهاء الحرب.

وفي استطلاع للرأي أجري عشية وقف إطلاق النار، قال 36% من الإسرائيليين أنهم يؤيدون وقف إطلاق النار، فيما عبر 50% عن معارضتهم لذلك، ورفض 14% إبداء رأيهم في الموضوع.([19])

وفي استطلاعات لآراء الإسرائيليين أجريت بعد مرور أسبوع على وقف إطلاق النار، وبعد مرور عدة أيام على الهدوء الكامل في مناطق الجنوب، تولدت صورة أكثر إيجابية.

ففي أحد هذه الاستطلاعات سئل المستطلعة آراؤهم: هل توجب وقف إطلاق النار أم احتلال قطاع غزة؟ أجاب 48% بأنه كان يجب احتلال كامل مناطق القطاع، وقال 44% بأنه يجب وقف إطلاق النار.

وفي استطلاع آخر، أجاب 58% بأن قرار القيادة الإسرائيلية بوقف إطلاق النار، وعدم الاستمرار في الحرب في غزة، قرار صحيح، مقابل 38% فقط أجابوا بأنه قرار غير صحيح.([20])

ومن الممكن الافتراض بأن الحكم النهائي على توجهات الجمهور الإسرائيلي سيكون منوطا بطبيعة الوضع الميداني الذي سيتقرر في الجنوب، وبالتالي فإن الاستمرار في انتهاك وقف إطلاق النار، وإطلاق بعض القذائف الصاروخية، كما حصل في أواخر شهر يناير، سيترجم حتما في استطلاعات الرأي التي ستجرى قريبا.

بالنسبة لتأثيرات الحرب على الانتخابات، جاءت النتائج معقدة جدا، على النحو التالي:

1- فمن جهة، ارتفعت شعبية الثلاثي([21]) الذي قاد الحرب على غزة، وتواصل هذا الارتفاع كلما تواصلت العملية، بالرغم من أن التزايد كان أكثر من سواه لصالح وزير الحرب، فبعد مرور أيام قليلة على نهاية العملية منح الجمهور علامات إيجابية جدا لكل واحد من الثلاثية، إلى جانب رئيس هيئة الأركان، وزعيم المعارضة، على أدائهم الموفق خلال أيام الحرب.

ومع ذلك، فإن التغيير في النتائج لم يأت بصورة مباشرة في النتائج المتوقعة للانتخابات، كما تبين مثلا في استطلاعات الرأي، التي أظهرت نتائجها عشية اندلاع العملية، للمرة الأولى، انقلابا في العلاقات الحزبية بين التيارات السياسية، من خلال ترجيح كفة الوسط واليسار، بواقع حصولها على 63 مقعدا في الكنيست، مقابل حصول أحزاب اليمين والمتدينين على 57 مقعدا.

وبتاريخ 23 ديسمبر قبل أيام قليلة على اندلاع العملية، تبين من خلال استطلاع آخر أن اليمين والمتدينين سيحصلون في الانتخابات على 66 مقعدا، مقابل حصول أحزاب المركز واليسار على 54 مقعدا، علما بأن العملية العسكرية تم إدارتها والمبادرة إليها من قبل حكومة المركز واليسار.([22])

فقط في اليوم الرابع لبدء العملية، عاد الثقل الشعبي لتيار اليمين والمتدينين، ومنذ ذلك الوقت وهو آخذ بالاتساع، وبتاريخ 18 يناير 2009، بعد مرور يوم واحد على وقف إطلاق النار، عاد الثقل لهذا التيار، بواقع حصوله في الاستطلاعات على 65 مقعدا، بعد أن حصل على 55 عشية اندلاع العملية.

التغير المريع حصل في معدلات وزن "كاديما"، الذي تراجع من ذروة شعبيته التي منحته 28-29 مقعدا، في الأيام الأولى لاندلاع العملية، إلى 21-25 مقعدا فقط، وفي استطلاع للرأي أجري أواخر شهر يناير وصلت شعبية أحزاب اليمين والمتدينين إلى 50-70 مقعدا.([23])

من الصعب بمكان تقدير حقيقة السبب أو الأسباب التي تقف خلف هذه الظاهرة، فربما تعتبر النتيجة النهائية للعملية التي لم تلب كل مطالب الجمهور، أو أن نسبة جارفة من الجمهور الإسرائيلي لم يقيم إيجابيا أداء وزيرة الخارجية خلال مجريات الحرب، أو أن الأمر يتعلق بالسببين معا.

وربما أن الحرب الأخيرة رفعت من شأن الأحزاب المناوئة للعرب، في أوساط الجمهور اليهودي، وبالتأكيد لصالح اليمين، ولذلك بالإمكان النظر هنا وهناك لصعود قوة حزب "إسرائيل بيتنا".([24])

سؤال إضافي، بقي حتى اللحظة دون إجابة: لماذا جاء التعامل الشعبي الإسرائيلي كبيرا كل هذا الحد مع عملية الرصاص المسكوب، مقابل تعامله مع حرب لبنان الثانية، على الرغم من أن هذه الحرب لم تؤد فعليا إلى نتيجة حاسمة ظاهرة، فـ"حماس"، مثل حزب الله، لم يتم إخضاعها، ولا إسقاطها.

السؤال التالي: إذا ما كان طبيعة التعامل الشعبي مع هذه الحرب متعلقا بقلة عدد الضحايا، سواء من الجنود أو المدنيين، وما سببه ذلك من نظرة إيجابية تجاه العمل العسكري، خاصة سلاح البر، والأداء الموفق من قبل الجبهة الداخلية.

أو أن الأمر له علاقة بارتفاع مستوى التحريض والعداء لدى الجمهور الإسرائيلي، وما يعنيه ذلك من تغير نظرته للحرب، وتجاه المنظمات المعادية غير الدولانية.

أنا أرى أن الاحتمال الأول هو الأكثر إقناعا، إلى جانب عدد من المعطيات الميدانية الأخرى، ومع ذلك، لا يجب بالمطلق إخراج الاحتمال الثاني كليا من دائرة التفسير.

 

1) علاقات المستويين السياسي والعسكري خلال الحرب، غيورا آيلاند، معهد أبحاث الأمن القومي، تل أبيب، ص12.

2) هآرتس، 4/1/2009.

3) الإذاعة العبرية، 8/1/2009.

4) يديعوت أحرونوت، 15/1/2009.

5) غيورا آيلاند، مرجع سابق، ص16.

6) فيما تخرج هذه الدراسة إلى حيز الوجود، شرعت السلطات المصرية في عمليات ميدانية لإجلاء السكان المصريين القاطنين على الجانب المصري من الحدود مع رفح، ولا يبدو هذا الإجراء بعيدا عن ترتيبات مع الأطراف الدولية وإسرائيل.

7) لجنة فينوغراد هي لجنة فحص حكومية أو لجنة تقصي حقائق موكلة من قبل الحكومة الإسرائيلية "لاستيضاح استعدادات وأداء المستوى السياسي والمؤسسة الأمنية في ما يتعلق بالجوانب المختلفة للقتال مع حزب الله في صيف 2006، ووجهت في تقريرها النهائي نقدا حادا لمختلف مستويات صناعة القرار في إسرائيل، السياسي والعسكري.

8) معاريف، 17/1/2009.

9) يهودا بن مائير، كيف تأثر الرأي العام الإسرائيلي خلال الرصاص المسكوب، معهد أبحاث الأمن القومي، تل أبيب، ص56.

10) القناة العاشرة، التلفزيون الإسرائيلي، 28 ديسمبر 2008.

11) استطلاع نشرت نتائجه في معاريف بتاريخ 2 يناير 2009.

12) أعلنت نتائج الاستطلاع في برنامج "استفتاء" على القناة التليفزيونية الثانية، بتاريخ 6 يناير 2009.

13) أعلنت نتائج الاستطلاع في برنامج "استفتاء" على القناة التليفزيونية الثانية، بتاريخ 30 ديسمبر 2008.

14) نشرت نتائجه في معاريف بتاريخ 9 يناير2009.

15) مقياس الحرب والسلام، مركز تامي شتيانمتس لأبحاث السلام، 1 يناير 2009.

16) تم بث هذه النتائج في برنامج "استفتاء" على القناة التليفزيونية الثانية، بتاريخ 13 يناير 2009.

17) استطلاع "حوار" نشرت نتائجه في هآرتس بتاريخ 16 يناير 2009.

18) تم بث النتائج في القناة التليفزيونية الثانية، بتاريخ 18 يناير 2009.

19) نشرت النتائج في معاريف بتاريخ 16 يناير 2009.

20) نشرت النتائج في معاريف بتاريخ 23 يناير 2009.

21) المقصود هنا: رئيس الحكومة "إيهود أولمرت"، وزير الحرب "إيهود باراك"، وزيرة الخارجية "تسيبي ليفني".

22) تم بث هذه النتائج في برنامج "استفتاء" على القناة التليفزيونية الثانية، بتاريخ 23 ديسمبر 2008.

23) تم بث هذه النتائج في برنامج "استفتاء" على القناة التليفزيونية الثانية، بتاريخ 18 يناير 2009.

24) جاء توزيع مقاعد الأحزاب في نتائج الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية على النحو التالي: كاديما 28 مقعدا، الليكود، 27 مقعدا، إسرائيل بيتنا 15 مقعدا، العمل 13 مقعدا، شاس 11 مقعدا، وتوزعت المقاعد الباقية على الأحزاب الصغيرة.