أثر الحرب على غزة في الملف الداخلي الفلسطيني

  • الإثنين 15 يناير 2018 03:25 م

 

أثر الحرب على غزة في الملف الداخلي الفلسطيني

            في الوقت الذي أسفرت فيه الحرب الإسرائيلية على غزة، عن نتائج وتبعات محلية وإقليمية ودولية، وعلى مختلف الأصعدة السياسية، الأمنية، الإستراتيجية، احتل الوضع الداخلي الفلسطيني نصيب الأسد في هذه النتائج والتأثيرات، سلبا وإيجابا، لاسيما وأن الحرب وقعت في ذروة الانقسام الحاصل على الساحة.

            تناقش هذه الدراسة السلوك السياسي الفلسطيني، خاصة من قبل قطبيه الأساسيين، حركتي فتح وحماس، خلال الحرب وما بعدها، وتقييم نتائجه على صعيد استئناف الحوار الوطني، أو تعميق الانقسام الحاصل، في ضوء التطورات المتسارعة التي أعقبت الحرب، وجمعت الفرقاء الفلسطينيين "قسرا" إلى مائدة الحوار في القاهرة.

  • إدارة الحرب

            شكلت الحرب الإسرائيلية بالنسبة لحماس، حرب على المقاومة وعلى وجودها ودورها كلاعب مهم، بحيث لا تستطيع أن توافق على حل لا يحمي المقاومة، ولا يحافظ على وجودها ودورها كلاعب رئيس، الأمر الذي أكدته نتائج الحرب بأنها تنظيم يملك من القوة ما يفترض أن يقنع الجميع باستحالة تجاوزه.

            والمراقب لسلوك حماس السياسي على الساحة الداخلية مع اندلاع الحرب وفي ذروتها، يجد تصعيدا في حملتها الإعلامية ضد الرئيس والسلطة في الأيام الأولى، وما لبثت أن رحبت بالحوار شرط أن تتم بين وفدين من فتح وحماس، أو عباس ومشعل، وكان هناك مبادرة تركية في هذا الاتجاه رفضها الأول.

            ثم التزمت حماس بوقف الحملات الإعلامية، ودعت لفتح مسار سياسي جديد لا ينفي الوساطة المصرية، لكنه لا يوافق على الاقتصار عليها فقط.

            جاء ذلك باعتبار أن حماس راهنت على أن إسرائيل لن تشن عدوانا على غزة، بسبب الخلافات الداخلية، وخشية من الخسائر، ولأنها تفضل استمرار الانقسام الفلسطيني، وفصل الضفة عن غزة، وإذا شنت إسرائيل عدوانا فلن يكون بالحجم الذي شاهدناه.

            كما راهنت حماس على الانتصار معتمدة أن إسرائيل مترددة جدا في الدخول للمرحلة الثالثة من الحرب، والتوغل في عمق المناطق الآهلة بالسكان، لأن ذلك سيغرقها في مستنقع غزة، وإن فعلت ذلك فلن تعرف كيف ستخرج منه، وهي لا تريد إعادة احتلالها غزة، التي لم تصدق أنها خرجت منها.

            ولذلك، وصلت حماس إلى قناعة مفادها أنه إذا استطاعت إسرائيل أن تحقق أهدافها، وتقضي على المقاومة من خلال توجيه ضربة قاصمة للحركة وبقية القوى، وفرض صيغة حل إقليمي دولي يضمن الاتفاق على وقف إطلاق نار دائم أو لفترة طويلة، وعدم إطلاق القذائف والصواريخ على إسرائيل، ويحول دون تقوية المقاومة من خلال عدم تمكينها من الحصول على السلاح، فإن هذا يعني أن حماس ستهزم وستكون بين عدة خيارات:

  1. إما أن تتحول إلى أقلية مدجنة في النظام السياسي الفلسطيني تخضع لقوانينه وبرامجه،
  2. أو أن ترتد عليه، وتصبح تنظيما معاديا للمفاوضات وعملية التسوية، سيكون قادرا على عرقلتها، لكنه لن يقدر على وقفها.
  3. أن تلجأ لتشكيل م.ت.ف بديلة، أو حكومة بالمنفى مستندة للتأييد الجارف لخيار المقاومة الذي دلت عليه الانتفاضة الشعبية العارمة التي شهدها العالم كله، ضد العدوان وانتصارا للمقاومة وللحقوق الفلسطينية.([1])

            في المقابل، إذا استطاعت غزة، بقيادة حماس، أن تصمد وتفشل الأهداف الإسرائيلية، فهذا يعني أنها دخلت مرحلة جديدة، ستتبوأ فيها بسرعة قيادة الشعب الفلسطيني، بعد أن فازت في الانتخابات التشريعية، وسيطرت على غزة، وهزمت السلطة والأجهزة الأمنية وحركة فتح، بحيث تأتي الذروة في الانتصار على إسرائيل في معركة غير متكافئة، وشروط غير مواتية بالمرة.

            في هذه الحالة ستدخل حرب غزة في التاريخ الفلسطيني لتشكل معركة "الكرامة" بالنسبة لحماس، مع اختلاف الشروط والظروف، وهنا يمكن أن يأخذ انتصار حماس لتتبوأ موقعا قياديا في السلطة، وإعادة تشكيل بناء المنظمة على أساس جديد.

            ويمكن أن يأخذ شكل تثبيت سيطرتها في غزة، من خلال سيطرتها أو مشاركتها بالإشراف على معبر رفح مع السلطة والمراقبين الأوروبيين، ضمن صيغة حل تتضمن تهدئة متبادلة مؤقتة، وليست دائمة أو طويلة الأمد كما تطالب إسرائيل.

            في مواجهة هذا الموقف الحمساوي، لوحظ أن قيادة السلطة الفلسطينية اتخذت في الأيام الأولى للحرب موقفا مزدوجا، يميل لتحميل حماس مسئولية الحرب -لأنها ورقة إقليمية وبسبب أعمالها الطائشة كما صرح الناطقون باسمها- وبالتالي فهي شريكة في العدوان، بعد أن كان بمقدورها تفادي الحرب، وكان عليها تمديد التهدئة.

            بل إن أحمد عبد الرحمن، المستشار الإعلامي لرئيس السلطة، قال إن قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية تحزن على طريقة عمل حماس، أكثر ما ترفضها، فقادة هذه الحركة يقعون بوعي أو بسذاجة في حسابات مصلحية أخرى، في المصيدة الإسرائيلية، ونحن نريد أن تسخر قدراتهم القتالية وتضحياتهم لمصلحة الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.

            وقال: قادة حماس يحسبون أنفسهم اليوم جزءا مما يسمى بمحور الممانعة، تغريهم القصور والسجاجيد الحمراء والشاشات الفضية الفضائية، لكن حرب غزة أثبتت أنهم ليسوا ذراعا، بل أداة هامشية، حتى وهم يؤدون هذه الخدمة لذلك المحور.([2])

            الأمر الذي دعا المكتب الإعلامي الحكومي في غزة الناطقين والمسئولين ووسائل الإعلام بعدم الرد على هذه التصريحات، وعدم التعامل معها، وقالت إن عباس والناطقين باسمه لم يرتقوا إلى قطرة دم سالت في قطاع غزة، ولا نرغب في حرف البوصلة الموجهة ضد الاحتلال وعدوانه.([3])

            كما أن بعض التصريحات السياسية الصادرة عن السلطة والمنظمة وفتح، أشارت إلى ما يمكن أن يوصف بحالة "ارتباك" بعد اندلاع الحرب، ولم تعرف تلك الجهات كيف تتصرف، من خلال اتخاذها لمواقف متناقضة، وتبين في حالة عدم الانسجام الواضح بين الأقوال والأفعال.

            وقد تجلى ذلك في أشد الوضوح حين كشفت مصادر فلسطينية أن أمين سرّ اللجنة التنفيذيّة لمنظمة التحرير، ياسر عبد ربه، انتقد توقف الحرب الإسرائيليّة على غزّة، في لقاء خاص مع الصحافيين، وأثارت تصريحاته استغراب العديد من الصحافيين الذين حضروا اللقاء، وطلب منهم عدم الإفصاح عن هويته والاكتفاء بالإشارة إليه مسئولا فلسطينياً رفيع المستوى.

            وقال: وقف الحرب بهذه الطريقة خطأ كبير، والحقيقة أن بقاء حماس في السلطة حتى الآن أمر سيئ لنا جميعا.([4])

            وحتى عندما جرت مبادرات فلسطينية وتركية وغيرها، لتنظيم حوار بين فتح وحماس، وعقد لقاء بين محمود عباس وخالد مشعل، تم رفضها بحجة عدم المساس بالوساطة المصرية، ما يعني أن الحوار الوطني الثنائي أو الشامل حكم عليه أن يبقى معطلا لإشعار آخر.

            ما دفع ببعض الأوساط إلى أن تطلق على سلوك الرئيس عباس بانتهاجه "موقفا انتظاريا"، ومحكوما بردود الأفعال، بل ويؤثر فيه بشكل حاسم تطور الأحداث ونتيجة الحرب، ولا يسعى للمبادرة للتأثير عليها، وجعلها تسير بالاتجاه المرغوب فلسطينيا.

            وبالتالي فإن السلطة، وحركة فتح عمودها الفقري، لم تتخذ موقفا في مستوى أهداف العدوان، وما يتطلبه من قيادة التحركات السياسية على كافة المستويات المحلية والعربية والإقليمية والدولية، وعدم الاكتفاء بالموافقة على المبادرات التي يقدمها غيرها، كما يقتضي اتخاذ موقف في مستوى المجزرة اليومية، وقف المفاوضات مع إسرائيل، ووقف التنسيق الأمني، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وطرح مبادرة للحوار والوحدة الوطنية أكثر مرونة من الأطروحات السابقة، بحيث ترتكز لبرنامج وطني قادر على إنهاء الاحتلال، ورفض شروط إسرائيل الاستسلامية، سواء المتعلقة بالوحدة الوطنية، أو بالحل السياسي للقضية الوطنية.

            الأمر الذي ساعد على بروز أصوات تنتقد هذا الموقف، وجاءت أعلاها على لسان هاني الحسن، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، الذي أكد أن السلطة لم ترسل مساعدات لأهالي القطاع والمقاومة، مهنئا في ذات الوقت حركة حماس في تصديها للعدوان، والنصر الذي حققته في دحر الاحتلال عن قطاع غزة".

            فيما انتقد حاتم عبد القادر، القيادي في فتح، ما وصفه بصمت قيادة الحركة تجاه الأحداث المتسارعة التي تعصف بالشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني، وقال: كان المفروض على قيادة الحركة لعب دور أكبر وأكثر تأثيرا في التعامل مع ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من مذابح ومؤامرات، مستغربا هذا الانكفاء والترهل، وعدم القدرة على لعب دور مؤثر في مجريات الأحداث الخطيرة التي تشهدها الساحة الفلسطينية.([5])

            وخرجت بعض التقارير التي تفيد أن السلطة الفلسطينية برام الله تعيش حالة من الارتباك بشأن كيفية التعامل مع قطاع غزة وحركة حماس بعد انتهاء الحرب الإسرائيلية، حيث باتت منقسمة بين من يطالب بالبقاء في الركب العربي الذي تقوده مصر والسعودية بشأن المصالحة مع حركة حماس، وبين من يطالب بفتح قناة اتصال مع قيادة حماس بشكل مباشر على أساس انتصارها في المعركة الأخيرة على إسرائيل.

            وأشارت المصادر إلى أن أعضاء في اللجنة المركزية لحركة فتح يطالبون بالإقرار بانتصار المقاومة في قطاع غزة، وضرورة توظيف ذلك في التحركات الفلسطينية السياسية، بعد ثبات فشل تجربة المفاوضات التي انطلقت عقب مؤتمر "أنابوليس".

            ولمحت المصادر إلى أن مفوض عام حركة فتح أحمد قريع يدفع باتجاه فتح قناة اتصال مباشرة مع حماس، واستثمار انتصارها على إسرائيل في قطاع غزة على طاولة المفاوضات الفلسطينية، سواء مع إسرائيل أو المجتمع الدولي، في حين أن أطرافا أخرى في السلطة تصر على رفض الجمع بين المفاوضات السياسية والمقاومة، وضرورة اختيار حماس بين العمل السياسي أو المقاومة المسلحة.([6])

            علما بأنه كان بمقدور قيادة السلطة الدعوة لعقد لقاءات على أعلى مستوى، بين جميع الفصائل لتوحيد الموقف إزاء العدوان، وشق الطريق لإنهاء الانقسام، واستعادة الوحدة.

            الغريب في الأمر أن الخشية من استفراد حماس بخطوات ما بعد العدوان على غزة تملّكت رئاسة السلطة ومنظمة التحرير، ولم تكن زيارة وفد الفصائل المنضوية تحت إطار المنظمة إلى القاهرة، إلا محاولة لخلق دور لها في آليات ما بعد العدوان، من تثبيت وقف إطلاق النار، إلى المشاركة في جهود إعادة الإعمار، وتوزيع المساعدات.

            وكانت هذه الأجواء حاضرة في أول اجتماع للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بعد انتهاء العدوان، الذي استغله محمود عباس، لرواية النصائح المصريّة له بالاضطلاع بدور في جهود ما بعد الحرب، إضافة لسرد رؤيته وموقعه من "حرب القمم" التي استعرت في الأيام الأخيرة للحرب، من الدوحة إلى الكويت، مروراً بالرياض، كما كشف النقاب عن رفضه طلباً في القمّة الاقتصادية للقاء رئيس المكتب السياسي لحماس، خالد مشعل.([7])

            وبالتالي فإن عدم قدرة الفلسطينيين على التوحد في إطار نظام سياسي واحد، كشف ظهرهم للاحتلال، وأتاح لإسرائيل، التي فشلت من خلال الحصار الخانق والاختراقات الدائمة للتهدئة، في إخضاع حماس والفصائل للقبول بشروطها بعقد تهدئة مقابل تهدئة، دون ربطها بإنهاء الحصار وفتح الحدود والمعابر، ومع احتفاظها بحقها في العدوان العسكري كلما رأته مناسبا.([8])

  • سيناريوهات وخيارات

            في ذروة الحرب على غزة، وقبل أن تتضح بداية النهاية لها، بدا واضحا كم هي الهوة شاسعة بين موقفي حركتي فتح وحماس، في ضوء ما أشيع في غزة عن تورط عناصر وقيادات في أجهزة أمن السلطة الفلسطينية، في إعداد قوائم بأهداف "تستحق القصف"، وتزويد مخابرات الاحتلال بها من أجل قصفها خلال عمليات التطهير العرقي التي نفذها الجيش الإسرائيلي.

            وأكدت مصادر مطلعة أن الأجهزة الأمنية التابعة لحكومة حماس، نجحت في ضبط مراسلات رسمية بين ضباط في غزة، وبعض القيادات الأمنية في الضفة، تشير إلى أن قيادة رام الله تقدمت بطلبات "احتياج" عاجلة لعناصرها في القطاع، برفع تقارير عاجلة وخرائط تفصيلية بمواقع منازل قادة كتائب القسام الرسمية والبديلة، إلى جانب تحديد مخازن السلاح والأنفاق.

            كما تم ضبط مراسلات أخرى وجهت من غزة إلى رام الله، تتضمن معلومات تفصيلية عن منازل قيادات في حماس والقسام، ومواقع مفترضة كمواقع لتخزين السلاح والأنفاق بما فيها مساجد ومؤسسات صحية، مشيرة إلى أنها اعتقلت عدداً من هؤلاء الضباط والعناصر، وقدموا اعترافات تفصيلية عن دورهم في تقديم معلومات عن حركة حماس والمقاومة في غزة.

            علما بأن جزء من الأهداف التي تم رفعها تم قصفها بالفعل، لافتة إلى أن جزء كبير من المعلومات المرفوعة كانت معلومات غير دقيقة، وجزء منها رفع بهدف الانتقام من حماس كقوائم المساجد التي رفعت وتم قصفها، وعدد من المنازل، ما يفسر قصف بعض المنازل والمساجد والعيادات الطبية.([9])

            هذه الأجواء المتعكرة أفسحت المجال في حينه لدراسة عدد من السيناريوهات والخيارات المتاحة أمامهما، لمرحلة ما بعد الحرب:

  1. بقاء الوضع على ما هو عليه، عبر استمرار الانقسام، وربما تعميقه انتظارا لظروف أخرى، ما يعني حصول أمر ضمني قد يبدو مستبعدا يتلخص بتفاهم صامت بين الحركتين على القسمة، بحيث تبقى الضفة تحت سيطرة فتح، وغزة تحت سيطرة حماس.
  2. الاتفاق على الحفاظ على الأمر الواقع الحالي، وتغطيته من خلال تشكيل حكومة وفاق وطني تكرس الأمر الواقع، بحيث تبقى عمليا سلطة في غزة تسيطر عليها حماس، وسلطة في الضفة تسيطر عليها فتح، كنوع من الفدرالية أو الكونفدرالية.
  3. استمرار وتعميق الانقسام وتحوله إلى انفصال دائم، بحيث تعود حماس لتنفيذ تهديداتها بسحب الاعتراف بشرعية الرئيس، وتعيين رئيس آخر، ويمكن أن نشهد انتخابات في الضفة لا تشارك فيها حماس، أو تمنع من المشاركة من خلال وضع قوانين وشروط تحصر المشاركة فيها على المؤيدين للمفاوضات، وللاتفاقات التي عقدتها المنظمة مع إسرائيل، وربما تنظم حماس انتخابات في غزة لا تشارك فيها فتح، أو تمنع من المشاركة فيها، يكون هدفها ترسيخ سلطتها ومنحها شرعية شعبية.
  4. الشروع في مفاوضات وحوارات وطنية داخلية حصلت في منتصف مارس آذار 2009، بالرعاية المصرية، وكل ما رشح عنها حتى الآن يشير إلى تعثر حقيقي وبطء قاتل يتركز في ملفات الحكومة والانتخابات.([10])
  • نتائج الحرب

            يجب أن نسجل حقيقة هامة موضوعية في بداية الحديث عن النتائج مفادها أن الاتفاق الموضوعي بين فتح وحماس على تأجيل الحوار الوطني لما بعد وقف العدوان، بدلا من الإسراع به، ليكون المدخل المناسب لوقفه، يعكس رغبة صريحة أو ضمنية منهما بتوظيف نتائج العدوان كل طرف لصالحه.

            وهكذا جاءت مفاجأة الحرب من صمود أهالي قطاع غزة الكبير، وصمود قوى المقاومة فيه، بحيث لم يصدر صوت تذمر واحد ضد إدارة حماس، وانصب غضب الأهالي على العدوان الإسرائيلي، حيث التحم مقاتلو حماس وكافة قوى المقاومة الأخرى؛ وبعد أسبوع من بداية الحرب، لم تكن الغارات الإسرائيلية قد نجحت في تدمير منصة واحدة من منصات إطلاق الصواريخ، كما جاءت مفاجأة العدوان ثانيا من رد الفعل الشعبي، الفلسطيني في الضفة على ضعفه، والعربي والإسلامي.

            وما بعد ساعات قليلة على بدء العدوان، اندلعت مظاهرات الاحتجاج على الهجمة الإسرائيلية والتضامن مع غزة في مدن الضفة الغربية، في أغلب العواصم العربية، وعشرات المدن التركية والباكستانية والأندونيسية والأوروبية، واستمرت بلا هوادة طوال أسبوع الحرب الأول، ما أدى إلى أن تسفر هذه الحركة الشعبية عن تهميش السلطة الفلسطينية كلية، وأدت بالتالي إلى تغيير في موقف قيادتها المعلن من العدوان.

            وقد أسفرت هذه الحرب على الساحة الفلسطينية، إضافة للإخفاق الإسرائيلي، عن تحقيق صمود للمقاومة شكل بداية النهاية للهجمة في ظل الشروط التالية:

            1- بقاء إدارة حماس في القطاع، لاسيما وأنها وصلت إلى الحكم بإرادة شعبية فلسطينية، وبالتالي لا يجب أن يسمح بكسر الإرادة الشعبية بقوة الدبابات والطائرات الإسرائيلية، فمن يريد إطاحة حماس من الحكم، لابد أن يعود إلى أصوات الشعب الفلسطيني.

            2- بقاء الكتلة المقاومة في غزة، وبقاء قدراتها على المقاومة، بمعنى أن يكون الصاروخ الذي يطلق في هذه الحرب صاروخاً فلسطينياً، وأن تظل قادرة على مواجهة أي هجمة إسرائيلية في المستقبل.

            3- التوصل إلى تهدئة جديدة لابد أن يتضمن كسراً لحصار القطاع، ليس فقط على مستوى فتح المعابر جميعها، بما في ذلك معبر رفح، ولكن كسر الحصار المالي والمصرفي والسياسي أيضاً.

            وهكذا جاءت نهاية الهجمة الإسرائيلية وفق تلك النتائج، بشكل عبر بصورة أو بأخرى عن خروج قطاع غزة منتصراً، بغض النظر عن حجم الخسائر.

وفي ذات الوقت، خرجت السلطة الفلسطينية من هذه الحرب أضعف مما كانت عليه قبلها، وقد تقوض إلى حد كبير دور الرئيس عباس كممثل للكتلة الوطنية الفلسطينية، حتى بعد أن عقدت جولة جديدة للحوار الوطني في القاهرة، دخلت حماس للحوار من موقع أقوى مما كانت عليه في نوفمبر/ تشرين ثاني الماضي.

علما بان الضعف الذي ألم بالسلطة الفلسطينية مرده إلى ما طرحته الهجمة الإسرائيلية من شكوك ثقيلة على استئناف مباحثات التسوية في مسار أنابوليس، حتى وإن رفعت الحرب مستوى الضغوط العربية والأوروبية على إدارة أوباما لاستئناف سريع للمفاوضات، وتم التوصل إلى مصالحة فلسطينية وطنية، واستؤنفت المباحثات بالفعل، فلن يكون عباس مطلق اليد، وستحرص حماس على أن تجري المفاوضات في ظل رقابة وطنية.

بشكل عام، فإن موقع حماس باعتبارها القوة الفلسطينية الوطنية الرئيسة تعزز إلى حد كبير بعد هذه المواجهة المفصلية.([11])

وتأكيدا لذلك، كشفت مصادر فلسطينية أن قادة من فتح اعتبروا في اجتماع لهم برام الله بعد أيام من توقف العدوان، أن انتصار حماس في غزة يشكل انتكاسة جديدة لـ"فتح"، ونقلت المصادر عن فهمي الزعارير الناطق باسمها قوله: منذ سيطرة حماس على غزة منتصف عام 2007، ونحن في فتح نقوم بحملة إعلامية من أجل القضاء على سمعتها داخل الأراضي الفلسطينية، وفي العالمين والعربي والإسلامي، ولكن للأسف جاء الهجوم الإسرائيلي على غزة ليكشف مدى صمود الحركة وتمسكها بخيار المقاومة.

وبالتالي ظهرت شعبيتها الحقيقية في المسيرات والاحتجاجات التي اجتاحت العالم بأكمله، وذهبت جهودنا أدراج الرياح.

وقال القيادي قدورة موسى: يجب التنسيق مع أقاليم الحركة على مستوى الضفة الغربية من أجل العمل على التخفيف من مستوى التضامن مع قطاع غزة؛ لأن تضامنًا مع غزة يظهر أنه تضامن مع حماس، وهو ما لا نسعى إليه؛ لأنه يزيد من شعبيتها في الضفة.

وفي نهاية الاجتماع دعا المشاركون إلى دور إعلامي أكبر للناطقين الإعلاميين لحركة فتح؛ للتخفيف من مدى وجدوى الانتصار الذي حقِّقته حماس في غزة بمجرد صمودها أمام العدوان.([12])

الأمر الذي دفع بمسئولين فلسطينيين لأن يجمعوا على أن هناك "استياء واسعا" في صفوف الفلسطينيين من أداء السلطة وحركة فتح أثناء العملية العسكرية الإسرائيلية ضد قطاع غزة، مشيرين إلى أنه بموجب ذلك لمسوا تعاطفاً مع حماس.

وقال أحدهم: "تم الحديث عن عدد من الإجراءات في محاولة لتحسين صورة السلطة في الشارع الفلسطيني، من بينها تجديد الدعوة لحوار يقود إلى تشكيل حكومة توافق وطني، والتأكيد على رفض استئناف المفاوضات في ظل استمرار الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، مع التشديد على تحية ودعم صمود الشعب الفلسطيني في غزة، والإشادة بالمقاومة في القطاع، وتبني جميع الفلسطينيين الذين سقطوا في العملية العسكرية شهداء القضية الفلسطينية.([13])

            علما بأننا إذا أردنا أن نعرف كيف أثرت الحرب على غزة على الوضع الداخلي الفلسطيني، لا بد من التعرف على المشهد السياسي الفلسطيني، الذي كان قائما عشية العدوان الإسرائيلي، وعلى كيفية تفاعل الأطراف الفلسطينية المختلفة مع العدوان وخلاله، ودراسة الاحتمالات المتوقعة لنتائج العدوان، التي ستؤثر بقوة على الدور الفلسطيني، والاحتمالات والحلول الممكنة للانقسام الفلسطيني.

            فلا شك أن حالة الانقسام السياسي والجغرافي الفلسطيني التي كانت –وما زالت- قائمة ومرشحة للتفاقم على خلفية عدم عقد الحوار الوطني الشامل، وفشل المبادرة المصرية، وكانت الأمور تنذر بتطورات دراماتيكية مع حلول التاسع من يناير/ كانون الثاني 2009، حيث اعتبرت حماس مستندة إلى القانون الأساسي أن مدة الرئيس انتهت، وبالتالي يفقد بعدها كافة صلاحياته، ولم يعد شرعيا، بينما تعتبر فتح ومنظمة التحرير أن قانون الانتخابات ينص على تزامن الانتخابات التشريعية والرئاسية، ما يمنح الرئيس عاما آخر، حتى تعقد الانتخابات في شهر يناير/ كانون ثاني عام 2010.

            وفي هذا السياق، أدى العدوان الإسرائيلي على غزة إلى تجميد الانقسام الفلسطيني، لدرجة أن يوم التاسع من كانون ثاني عام 2009 مر دون سجالات إعلامية، ولم تقدم حماس على الإعلان أن عباس لم يعد شرعيا، ولم تعين رئيسا بدلا عنه.

            ومع ذلك، فإن الحقيقة تشير إلى أن الانقسام بعد الحرب على غزة استمر رغم العدوان، ولم يكف شلال الدم النازف بغزارة لتحمل جميع الفصائل مسؤولياتها وتحقيق الوحدة فورا، بل أقصى ما تحقق تجميد الانقسام قليلا، وما لبث أن أطل برأسه مجددا بحدة مع بروز التباين في تعاطي السلطة والمنظمة من جهة، وحماس وحلفائها من الفصائل من جهة أخرى، مع العدوان العسكري لجهة مقاومته، واستمرار إطلاق الصواريخ والقذائف من حماس وحلفائها، واكتفاء السلطة بالتضامن مع غزة خشية انزلاق الوضع في الضفة نحو الفوضى، وما يمكن أن تؤدي إليه من حالة فقدان سيطرتها، التي إن حدثت، يمكن أن تطيح بها أيضا.

            كما ظهر التباين بين الجانبين إزاء الجهود الدبلوماسية لوقف العدوان، فقد وافقت السلطة على المبادرة المصرية وقرار مجلس الأمن، بينما تحفظت حماس عليها، واعتبرت نفسها غير معنية بقرار مجلس الأمن، لأنها لم يتم استشارتها بصدده.

            ووفقا لمختلف القراءات الفلسطينية والإسرائيلية لنتيجة الحرب الأخيرة على غزة، جاءت الصيغة الأكثر قبولا وعقلانية هي "لا غالب ولا مغلوب"، بمعنى أكثر وضوحا أن إسرائيل لم تنتصر وحماس لم تنكسر، الأمر الذي كان له انعكاسات كبيرة على الخارطة السياسية الفلسطينية، لم تحدث بالشكل الدراماتيكي الذي توقعته بعض الأوساط.

            ووفقا لهذه النتيجة، أصبحت حماس أقوى سياسيا وجماهيريا دون شك رغم الخسائر التي تكبدتها، وفكرة المقاومة أصبحت أكثر انتشارا، وعملية التسوية وفقا للشروط الإسرائيلية أصبحت أصعب بكثير، رغم أن قدرة المقاومة عسكريا كما تتوقع بعض التقديرات الأمنية غدت أقل عما كانت عليه، وممارسة المقاومة ممنوعة ومعطلة لفترة طويلة قادمة بسبب الثمن الغالي لها، والترتيبات الإقليمية والدولية، في ضوء أن غزة لا تحتمل مجزرة جديدة في القريب العاجل.

  • إعادة الإعمار؟

            شكلت مسألة إعادة إعمار غزة بعد خراب الحرب الإسرائيلية محورا هاما في العلاقات الفلسطينية الداخلية، لاسيما على صعيد تولي هذه المهمة، وتباين الرؤى الداخلية فيها، علما بأنه بعد أسبوع فقط من بَدْئِهَا الحرب أعلنت إسرائيل بوضوح أن أحد أهم معايير الحكم على نجاح حربها، هو قدرتها في منع حكومة حماس من القيام بأي دور في إعادة الإعمار.

            حيث اعتبرت وزيرة الخارجية "تسيفي ليفني" أن السماح لحماس بأي دور في الإعمار يعني فشلا سياسيا للحرب، وتأكيدا على بقاء حكم الحركة، وتكريس ارتباط هذا الحكم بالفلسطينيين في القطاع لأَمَد بعيد.

            كما جاء الموقف الإسرائيلي بناء على دراسة أعدها قسم التخطيط والأبحاث التابع لوزارة الخارجية، قبل عام من شن الحرب خلص فيها إلى استنتاج مفاده: أن الحرب على القطاع ستؤدي إلى دمار واسع في البنية التحتية، وستكون المرحلة التالية من الحرب محاولة إملاء موقف إسرائيل القائل بضرورة منع حماس من لعب أيّ دور في إعادة الإعمار، كجزء من دروس حرب لبنان الثانية، حيث قاد حزب الله إعادة الإعمار في لبنان، وأتت النتيجة تعزيز دوره في النظام السياسي اللبناني، بدلا من إضعافه كما خططت إسرائيل.

            المفارقة أن السلطة الفلسطينية –كما تشير أوساط حركة حماس- تجندت بشكل طوعي، ومثير للانتباه؛ لتحقيق الهدف الإسرائيلي المعلن، المتمثل في منع حماس من لعب أي دور في جهود إعادة الإعمار.

            أكثر من ذلك، فإن السلطة، إلى جانب إسرائيل وعدد من الدول العربية، ناهيك عن القوى الدولية، لم تكتفي بالعمل على منع حماس من المشاركة في جهود الإعمار، بل حاولت أن تجعل منها وسيلة لشطب الحركة، وإعادة السلطة إلى غزة وفقا لما تمخض عنه مؤتمر شرم الشيخ.([14])


[1]) هاني المصري، الدور الفلسطيني في أزمة غزة والحلول الممكنة، الجزيرة نت:

www.aljazeera.net/NR/exeres/4CE628C9-917B-4B76-973C-30275B7B3B65.htm
2) الشرق الأوسط، 1/2/2009.

3) صحيفة فلسطين، 29/1/2009.

4) الأخبار، 26/1/2009.

5) الشرق الأوسط، 25/1/2009.

6) القدس العربي، 23/1/2009.

7) الأخبار، 24/1/2009.

8) الدور الفلسطيني في أزمة غزة والحلول الممكنة، مرجع سابق.

9) الجدير بالذكر أن وزارة الداخلية التابعة للحكومة في غزة عقدت مؤتمرا صحفيا قبيل انطلاق الحوار الأخير في القاهرة، وبثت فيه ما أسمته اعترافات خاصة بأولئك الضباط حول دورهم في الحرب، الأمر الذي نفته فتح جملة وتفصيلا، واعتبرته محاولة لتخريب الحوار.

10) تخرج هذه الدراسة إلى النور في الوقت الذي انتهت الفصائل الفلسطينية من حوارها في القاهرة، وتستعد لانطلاق جولة ثانية أواخر مارس آذار.

11) حرب أخرى يمكن أن تنتهي بإخفاق إسرائيلي، د.بشير نافع، الجزيرة نت.

www.aljazeera.net/NR/exeres/7A2F16A6-7293-4591-932C-3FE81501F8A3.htm

12) المركز الفلسطيني للإعلام، 25/1/2009.

13) التقرير المعلوماتي، 23/1/2009.

14) إعادة الإعمار..أم إعادة عباس؟ صالح النعامي، موقع الإسلام اليوم.

 www.islamtoday.net/albasheer/artshow-13-107457.htm